
محمد حسين المياحي
ثمة مفارقة تكشف الكثير عن طبيعة النظام الإيراني الراهن: سلطة تمتلك أجهزة أمنية واستخباراتية واسعة، ومؤسسات عسكرية وعقائدية ضخمة، وتتباهى بنفوذها الإقليمي، لكنها تبدو عاجزة عن إخفاء خوفها من تحركات شبابها ومواطنيها. ولعل التصريحات الأخيرة لبعض رجال الدين والخبراء الحكوميين تقدم دليلا واضحا على أن الخطر الذي يؤرق طهران لم يعد يأتي من حدودها الخارجية، بل من داخل المجتمع الإيراني نفسه.
وهنا يجب أن نلاحظ أنه وعشية ذكرى انتفاضة نوفمبر 2019، لم يجد رجل الدين بوراندخت، في خطبة الجمعة بمدينة زابل، ما يدعو إليه سوى مطالبة المواطنين بالشك في بعضهم بعضا والإبلاغ عن الأشخاص والتحركات المشبوهة. أما رجل الدين في كرج، فقد حذر من حرب إدراكية ومعرفية تستهدف المجتمع، داعيا إلى حماية عقول الناس من تأثير الرسائل المعارضة.
هذه التصريحات ليست مجرد تعبير عن هواجس أمنية، بل تكشف أن النظام بدأ ينظر إلى الوعي الشعبي والتواصل بين الشباب باعتبارهما تهديدا مباشرا لاستمراره. فحين تتحول الأحياء السكنية إلى موضوع للمراقبة، ويصبح المواطن موضع اشتباه لمجرد اختلافه أو تواصله، فإننا نكون أمام سلطة لا تثق بمجتمعها، ولا ترى في بقائها ضمانا لولائه.
والأكثر دلالة أن هذا القلق يجد صداه حتى لدى خبراء النظام أنفسهم. فالخبير الاقتصادي حسين راغفر لم يتردد في وصف العلاقة بين السلطة والمجتمع بأنها حلقة مفرغة: النظام ينتج الأزمات، ثم يقمع المحتجين عليها، فيخسر المزيد من الشرعية، ويجد نفسه مضطرا إلى مضاعفة العنف لتعويض تراجعها.
أما إشارته إلى اختفاء رجال الدين من المشهد العام خلال احتجاجات 2022، بسبب الخوف من ردود فعل المواطنين، فهي شهادة ذات مغزى سياسي واجتماعي عميق. إذ تكشف أن الهيبة التي حاول النظام فرضها لعقود لم تعد قادرة على توفير الحماية حتى لبعض رموزه، وأن الخوف لم يعد حكرا على المواطنين.
لكن السؤال الأهم ليس لماذا يخاف النظام من انتفاضة جديدة، بل ما الذي يجعل هذا الخوف يتجدد رغم كل أدوات القمع؟ الإجابة تكمن في أن الأزمات التي فجرت احتجاجات السنوات الماضية لم تحل، بل تفاقمت. فالتدهور المعيشي، والفساد، والقيود الاجتماعية والسياسية، وغياب الحريات، ليست أحداثا منفصلة، وإنما مكونات أزمة بنيوية لا تستطيع السلطة معالجتها بالاعتقالات والإعدامات والتهديدات.
وفي المقابل، فإن تطور الوعي السياسي لدى الأجيال الجديدة، واتساع وسائل التواصل، وظهور أشكال أكثر تنظيما من النشاط المعارض، كلها عوامل تضع النظام أمام تحديات تختلف عن تلك التي واجهها في انتفاضات سابقة. فالمواجهة لم تعد محصورة في الشارع، بل تمتد إلى ميدان الوعي والتنظيم وتشكيل الإرادة السياسية.
ومع ذلك، فإن الغضب الشعبي، مهما اتسع، لا يتحول تلقائيا إلى تغيير سياسي. فالتغيير يحتاج إلى قيادة وتنظيم ورؤية واضحة، وإلى مقاومة قادرة على تحويل الاحتجاجات المتفرقة إلى حركة سياسية فعالة، تمتلك جذورا داخل المجتمع وحضورا على المستوى الدولي.
إن ما تكشفه هذه الاعترافات هو أن النظام الإيراني يدرك أن أزمته لم تعد مجرد أزمة اقتصادية أو أمنية، بل أزمة ثقة وشرعية وحق في الحكم. وقد ينجح في تأجيل المواجهة المقبلة، لكنه لن يستطيع إلى الأبد إلغاء أسبابها.
فالنظام الذي يطلب من مواطنيه مراقبة بعضهم بعضا، ويخشى من كلمات الشباب وأفكارهم، إنما يكشف عن حقيقة لا تستطيع كل أجهزته الدعائية إخفاءها: إن أكبر مخاوفه لم تعد من خصومه في الخارج، بل من شعبه الذي لم يعد مستعدا للتعايش مع استبداده.




