
نظام مير محمدي
كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني
شهدت طهران في الأيام الأخيرة تحركات دبلوماسية مكثفة ومليئة بالغموض؛ بدءاً من زيارات المسؤولين الإقليميين ومشاوراتهم، وصولاً إلى تقاطع مصالح الفاعلين الدوليين والإقليميين بشأن ملف الأزمة الإيرانية. إن انعقاد الاجتماع الرباعي في طهران بمشاركة ممثلي باكستان والمملكة العربية السعوديةوتركيا، وبأمانة «المجلس الأعلى للأمن القومي»، إلى جانب الإشارات المرسلة من القنوات الغربية والإقليمية (مثل المقترح الذي قدمه الجنرال عاصم منير بموافقة ضمنية من ترامپ)، قد أظهر أبعاداً جديدة للتقاطعات والصراعات داخل أركان السلطة. فما هو كواليس هذه التحركات، وإلى أين يؤول هذا المأزق؟
1. أحجية الدبلوماسية السرية والعلنية؛ من إسلام آباد إلى طهران
بدأت وتيرة التطورات تتسارع منذ أواخر شهر أكتوبر/تشرين الأول 2026؛ ففي 20 أكتوبر/تشرين الأول، انتشرت تقارير تفيد بلقاء محمد باقر قاليباف مع عاصم منير، مما أظهر أن حزمة دبلوماسية قد وُضعت على طاولة طهران بإذن من واشنطن لمتابعة المفاوضات. وفوراً بعد ذلك، أدى طرح موضوع إدارة المفاوضات تحت إشراف مجتبى خامنئي من قبل قاليباف، إلى رفع الغطاء عن مركز القرار الحقيقي داخل النظام.
وقد تجلت ذروة هذه التحركات في عقد الاجتماع الرباعي بمشاركة ممثلي باكستان والسعودية وتركيا في طهران، ولقائهم مع محسن رضائي (أمين المجلس الأعلى للأمن القومي). ومع ذلك، كانت مخرجات هذا الاجتماع غامضة للغاية؛ إذ إن عدم صدور بيان رسمي والاكتفاء بخبر عام حول «مواصلة الحوارات بهدف تعزيز التعاون الإقليمي ولا سيما في مجال السلم والأمن»، يعكس شرخاً عميقاً وغياب التوافق حول الآليات التنفيذية. وأشارت وكالة فرانس برس وصحيفة «الشرق الأوسط» بحق إلى أن هذا الاجتماع افتقر إلى جدول زمني، وآلية تنفيذية، وأي التزام بإنهاء العمليات العسكرية.
2. الشروط المتناقضة و«حرب الذئاب» داخل أركان السلطة
وفي الوقت الذي يحاول فيه تيار حكومة مسعود بزشکیان (على منوال حسن روحاني) إضفاء الشرعية على هذه التحركات تحت شعار «الترحيب بوحدة الدول الإسلامية»، فإن مواقف الأركان العسكرية والأمنية للنظام تعكس نهجاً مغايراً تماماً. فمن جهة، يتحدث علي باقري كني (معاون الشؤون الدولية في المجلس الأعلى للأمن القومي) عن ضرورة تطبيق «الشروط الإيرانية السبعة»، ومن جهة أخرى، رسّم لقاء محسن رضائي بمجتبى خامنئي، وما تلاه من تأكيد وسائل الإعلام الرسمية على «استمرار تواجد القوات، والحفاظ على جبهة المقاومة (المليشيات الوكيلة)، وحالة لا حرب ولا سلم»، الخط الاستراتيجي الأساسي للنظام.
وقد أدت هذه التناقضات فوراً إلى تأجيج حرب الصلاحيات والخلافات الحادة داخل السلطة. فمقال حسين شريعتمداري بعنوان «اجتماع طهران؛ سراب أم حقيقة؟»، وموقف الصحيفة التابعة لتيار البایداري التي تساءلت بصراحة عما إذا كانت مخرجات هذه التحركات ستزيد من قدرة إيران الردعية أم ستؤدي إلى تقديم تنازلات وحماية المصالح النفطية والغازية لحلفاء أمريكا الإقليميين من الرد الإيراني، تشكل جميعها دليلاً دامغاً على أزمة الثقة العميقة وخوف أجنحة النظام من تداعيات أي تسوية أو تراجع. بالتزامن مع ذلك، جاء تصريح دونالد ترامپ الصريح في مقابلته مع تلفزيون مسيسيبي ليؤكد أن «الإدارة لن تسمح بامتلاك أسوأ وأخطر نظام في العالم للسلاح النووي، وسنقوم بإنجاز المهمة تماماً»، مما ضيق الخناق أكثر فأكثر على هامش تنفس النظام.
3. المأزق الاستراتيجي؛ التراجع أم الحرب، وكلاهما يفضيان إلى الانتفاضة
بنظرة شاملة إلى مجمل هذه التطورات، يمكن إجمال النتائج والآفاق المستقبلية للنظام الإيراني على النحو الآتي:
نهاية خط «الصبر والانتظار»: لم يعد العالم ودول المنطقة يتقبلون النظام الإيراني ببنيته المليشياوية وسلوكياته المدمرة في مجالي الطاقة والأمن. فهذا الملف قد خرج من حالة الجمود عقب الانتخابات الأمريكية (12 نوفمبر/تشرين الثاني 2026)، وبات الفاعلون الإقليميون والدوليون يتطلعون إلى «حسم المصير» نهائياً.
المفترق المميت لمجتبى خامنئي: عقب انتقال مركز الثقل في صنع القرار إلى مكتب المرشد وشخص مجتبى خامنئي، وجد النظام نفسه في مأزق تاريخي: فإما أن ينحني أمام تراجع استراتيجي، وإما أن يتجه نحو حرب تفجيرية. وقد اثبتت التجربة أن كلا المسارين سيفضيان حتماً في النهاية إلى نقطة الانفجار الداخلي المتمثلة في «الانتفاضة العامة»؛ نظراً لعجز البنية الحاكمة عن استيعاب التغييرات الجوهرية.
تكريس المناخ الحربي كدرع أمني: إن الهدف الأساسي للنظام من المشاركة في استعراضات مثل الاجتماع الرباعي ليس جنوحاً للسلام، بل «كسب الوقت» والحفاظ على المناخ الأمني-الحربي لمواصلة قمع الداخل.
وفي الختام، وسواء اندلعت الحرب أم لم تندلع، فإن الحقيقة التي لا تقبل التشكيك هي أن المصير النهائي لهذا النظام لن يُحسم خلف طاولات المفاوضات العبثية، بل في الميدان وعبر الإرادة المنظمة للشعب الإيراني والمقاومة المنظمة. ويدرك النظام جيدًا طبيعة الخطر الداهم، وقد حشد طاقاته كافة لمواجهة هذا التهديد البنيوي.






