نوفمبر 6, 2026
IMG_5265

السويداء على أعتاب الغد بائر الصخر سوف يورق أملاً

بقلم الباحثة كنانة خلف الكردي

ان انحسار الغطاء الخارجي فرصة لاستعادة السويداء وليس ضمانة تلقائية لاستعادتها فالمعركة الحقيقية تُحسم ببناء الثقة الوطنية وإعادة الدولة إلى المجتمع لا بمجرد تغير الحكومات في تل ابيب
ليست السويداء قدرا معلقا على جدار الأزمات الدائمة ولا أرضا محكومة بالبقاء في دائرة الانكسار السياسي والأمني في خاصرة سورية بسبب رفعهم علم الازرق !!مهما طال زمن الاستنزاف فالتاريخ السوري الذي شهد تحولات قاسية وانكسارات عميقة أثبت أن أكثر الجغرافيات إنهاكا قادرة على استعادة عافيتها حين تتغير موازين القوى وتسقط المشاريع التي اتخذت من أوجاع الناس جسورا للعبور نحو مصالحها الخاصة واليوم تقف السويداء أمام منعطف سياسي بالغ الحساسية تتقاطع فيه التحولات الإسرائيلية الداخلية مع مستقبل النفوذ الخارجي في الجنوب السوري ومع سؤال جوهري يتعلق بمن يمتلك قرار المحافظة ومن يحاول توظيفها في معادلات إقليمية تتجاوز إرادة أبنائها ومستقبلهم

إن تعثر بنيامين نتنياهو في تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة وتراجع فرصه السياسية بعد الانتخابات الأخيرة لا يمكن قراءته باعتباره شأنا إسرائيليا داخليا معزولا عن محيطه الجيوسياسي فنتائج الانتخابات أظهرت تراجع كتلة نتنياهو إلى ثلاثة وخمسين مقعدا من أصل مئة وعشرين في حين حظي منافسه غادي آيزنكوت بتأييد أوسع لتكليفه بمحاولة تشكيل الحكومة وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة سياسية جديدة قد تعيد ترتيب أولويات تل أبيب وأدوات حضورها الإقليمي دون أن يعني ذلك أن سقوط حكومة نتنياهو أو تعثر تشكيلها قد أصبح أمرا محسوما حتى الآن

ومن هنا تبرز أهمية قراءة انعكاسات هذا التحول على السويداء التي تحولت خلال المرحلة الماضية إلى إحدى أكثر ساحات التنافس الجيوسياسي حساسية في الجنوب السوري حيث لم يعد الصراع محصورا في الخلافات المحلية أو المطالب السياسية والاجتماعية بل امتد إلى محاولات توظيف الانقسامات الداخلية في بناء وقائع ميدانية وسياسية تهدد وحدة الدولة السورية وتفتح المجال أمام مشاريع النفوذ والوصاية والتقسيم
وفي هذا السياق يبرز دور حكمت الهجري ومجموعات السلاح المرتبطة بمشروعه السياسي باعتباره أحد الملفات التي تستحق قراءة دقيقة في ضوء التحولات الإسرائيلية فالمسألة لم تعد تتعلق بشخص أو مرجعية دينية أو خلاف على إدارة محافظة بل بطبيعة المشروع الذي يجري الدفع به وبمدى ارتباطه بحسابات خارجية تتقاطع مع مصالح إسرائيل في إضعاف الدولة السورية وإبقاء الجنوب في حالة هشاشة استراتيجية تسمح بتكريس مناطق نفوذ منفصلة عن المركز

إن أي تراجع في الغطاء السياسي الإسرائيلي الذي استفادت منه هذه التوجهات سيضع المشروع أمام اختبار حقيقي لأن المشاريع التي تستمد قدرتها على الاستمرار من الرعاية الخارجية لا تستطيع البقاء إلى ما لا نهاية حين تتغير حسابات الجهات الداعمة لها وتتبدل أولوياتها الإقليمية ومع ذلك فإن انتهاء مرحلة نتنياهو لا يعني تلقائيا انتهاء كل أدوات السياسة الإسرائيلية في سوريا فالدول لا تغير استراتيجياتها بالضرورة مع تغير الحكومات وإنما قد تعيد صياغة أدواتها ووسائل تنفيذها بما يتناسب مع الظروف الجديدة

لكن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على سقوط نتنياهو وحده بل على سقوط الفكرة التي تحاول تحويل السويداء إلى ورقة تفاوض إقليمية وممر لمشاريع التقسيم والانفصال فالسويداء ليست ملكا لحكمت الهجري ولا لأي مجموعة مسلحة وليست امتدادا جغرافيا لمصالح تل أبيب أو غيرها إنها جزء أصيل من سوريا وأهلها ليسوا مادة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية بل أصحاب حق في الأمن والكرامة والمشاركة السياسية والإدارة العادلة ضمن دولة تحمي الجميع دون تمييز

ومن الخطأ الاستراتيجي أن تتعامل دمشق مع السويداء باعتبارها ملفا أمنيا فقط لأن معالجة جذور الأزمة تتطلب مسارا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا متكاملا يعيد بناء الثقة ويضمن حماية المدنيين ويعيد الاعتبار للمؤسسات الوطنية ويفتح المجال أمام أبناء المحافظة للمشاركة في صناعة مستقبلهم بعيدا عن احتكار التمثيل أو فرض الوصاية أو استخدام السلاح لانتزاع شرعية سياسية لا يمنحها المجتمع بالقوة

إن المرحلة المقبلة قد تحمل فرصة لإعادة تفكيك شبكات النفوذ التي تغذت على الانقسام وإعادة بناء معادلة وطنية تجعل أمن السويداء جزءا لا يتجزأ من أمن سوريا واستقرارها وهذا يتطلب من الدولة السورية أن تتحرك بثقة وحكمة وأن تميز بين المجتمع المحلي الذي عانى من الخوف والاستقطاب وبين القوى التي اختارت تحويل معاناته إلى مشروع سياسي مغلق كما يتطلب من المرجعيات الاجتماعية والدينية والوطنية أن تدرك أن حماية الكرامة لا تكون بتسليم القرار للخارج وأن استقلال القرار المحلي لا يتحقق بالانفصال عن الدولة بل بالمشاركة في بنائها

فالسويداء لا تحتاج إلى وصاية جديدة ولا إلى زعامة تضع مستقبلها في حسابات العواصم بل تحتاج إلى فرصة حقيقية للخروج من دائرة الخوف والسلاح والارتهان وأن تستعيد دورها في سوريا الموحدة التي تتسع لجميع أبنائها

وربما يكون الغد أقرب مما يتصور الذين اعتقدوا أن بقاء الأزمات ضمانة دائمة لمشاريعهم وأن جغرافيا الجنوب ستظل رهينة حسابات الآخرين فحين تتغير موازين القوى وتسقط رهانات الخارج وتستعيد الدولة قدرتها على احتضان مواطنيها يصبح ما بدا مستحيلا قابلا للتحقق وتصبح الأرض التي ظنها البعض بائرة قادرة على إنبات الأمل من جديد

فالسويداء ليست نهاية الحكاية السورية بل واحدة من بدايات التعافي الوطني وبائر الصخر سوف يورق أملا حين ينتصر الوطن على مشاريع التجزئة وينتصر الإنسان على الخوف وتصبح الدولة مظلة للجميع لا ساحة يتنازع عليها أصحاب المصالح