
بقلم الباحثة كنانة خلف الكردي
أزمة أربيل والسليمانية وإعادة تشكيل التوازنات الكردية في العراق
تشكل التطورات السياسية المتسارعة في إقليم كردستان العراق منعطفا مهما في مستقبل البنية السياسية والأمنية للعراق برمته ولا يمكن التعامل مع تلويح بافل طالباني رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بالانسحاب من حكومة الإقليم وتشكيل إدارة مستقلة في السليمانية باعتباره مجرد خلاف حزبي على المناصب أو توزيع الصلاحيات بل نحن أمام أزمة عميقة تتعلق بطبيعة السلطة ومراكز القرار وحدود الشراكة السياسية ومستقبل العلاقة بين أربيل والسليمانية في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية
تعود جذور الأزمة إلى الخلاف المتراكم بين الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة بافل طالباني حول تشكيل حكومة الإقليم وتوزيع المناصب السيادية والإدارية والأمنية وقد جاءت جلسة برلمان كردستان الأخيرة في أربيل لتكشف حجم التباعد بين الطرفين بعدما مضى الحزب الديمقراطي في عقد الجلسة وانتخاب رئاسة البرلمان وسط مقاطعة الاتحاد الوطني الذي اعتبر الخطوة تجاوزا للتوافق السياسي وإخلالا بالشراكة التي قامت عليها إدارة الإقليم ومن هنا جاء موقف طالباني بالانسحاب من الحكومة وعدم الاعتراف بمخرجات الجلسة والتلويح بتشكيل مؤسسات موازية في السليمانية بما فيها رئاسة للإقليم ورئاسة للحكومة في حال استمرار النهج الأحادي
لكن القراءة لهذا التصعيد تكشف أن الاتحاد الوطني لا يتحرك فقط دفاعا عن حصة حكومية أو موقع برلماني بل يسعى إلى إعادة تثبيت مكانته السياسية داخل المعادلة الكردستانية ومنع تحول التفوق الانتخابي للحزب الديمقراطي إلى تفوق مؤسساتي مطلق يستطيع من خلاله التحكم بمفاصل القرار السياسي والاقتصادي والأمني وفي المقابل يرى الحزب الديمقراطي أن نتائج الانتخابات تمنحه شرعية المضي في تشكيل المؤسسات وإنهاء حالة التعطيل التي استمرت طويلا وهنا تتصادم رؤيتان مختلفتان لمفهوم الشرعية إحداهما تستند إلى الأغلبية الانتخابية والأخرى تستند إلى مبدأ الشراكة السياسية والتوازن التاريخي بين الحزبين
إن أخطر ما في هذه الأزمة أنها تعيد إلى الذاكرة مرحلة الإدارتين التي عاشها إقليم كردستان خلال تسعينيات القرن الماضي عندما انقسمت السلطة بين أربيل الخاضعة لنفوذ الحزب الديمقراطي والسليمانية الخاضعة لنفوذ الاتحاد الوطني ولم يكن ذلك الانقسام إداريا فحسب بل امتد إلى المؤسسات الحكومية والأجهزة الأمنية والتشكيلات العسكرية ومراكز القرار والعلاقات الخارجية ورغم أن الظروف الحالية تختلف عن ظروف التسعينيات فإن استمرار التصعيد قد يعيد إنتاج ازدواجية السلطة بصورة جديدة ولكن ضمن بيئة عراقية وإقليمية أكثر تعقيدا وتشابكا
ومن الناحية الأمنية فإن الخطر الحقيقي لا يبدأ بالضرورة من المواجهة العسكرية بل من تآكل وحدة القرار الأمني وتعدد المرجعيات السياسية التي تتحكم بالمؤسسات والتشكيلات المسلحة فعدم اكتمال دمج قوات البيشمركة ضمن قيادة وطنية موحدة يجعل استمرار الخلاف السياسي عاملا مؤثرا في مستقبل التنسيق العسكري والأمني وقد يؤدي بناء إدارة موازية إلى ترسيخ الولاءات الحزبية داخل المؤسسات الأمنية وتعميق الانقسام في الصلاحيات والقيادات وهذا لا يعني أن المواجهة المسلحة أصبحت حتمية لكنه يعني أن استمرار الأزمة يرفع احتمالات الاحتكاك ويضعف قدرة الإقليم على مواجهة التهديدات الأمنية المشتركة
أما اقتصاديا فإن الانقسام المحتمل يحمل تداعيات تتجاوز حدود الخلاف بين الحزبين إلى مستقبل الرواتب والموازنة والنفط والمنافذ الحدودية والتجارة الخارجية فالسليمانية تمتلك أهمية جغرافية واقتصادية في علاقاتها الحدودية مع إيران بينما تتمتع أربيل ودهوك بثقل كبير في منظومة التجارة والطاقة والعلاقات الاقتصادية مع تركيا وإذا تحولت هذه الجغرافيا إلى أدوات ضغط حزبي فقد يجد الإقليم نفسه أمام منظومتين ماليتين وإداريتين متنافستين الأمر الذي سيؤثر في حركة الاستثمار والتجارة وثقة الشركات والمستثمرين كما أن محاولة السليمانية التفاهم المباشر مع بغداد بشأن الرواتب والمخصصات قد تفتح مرحلة جديدة من العلاقة بين الحكومة الاتحادية ومناطق الإقليم لكنها ستظل مرتبطة بالإطار الدستوري والمالي الذي ينظم العلاقة بين بغداد وأربيل ولا يمكن تحويلها إلى استقلال مالي بمجرد إعلان سياسي
وفي هذا السياق تبدو بغداد أمام فرصة لإعادة ترتيب علاقتها بإقليم كردستان من خلال التعامل المباشر مع القوى السياسية الكردية بدلا من الاعتماد على مرجعية تفاوضية واحدة لكن هذه الفرصة تحمل في الوقت نفسه مخاطر استراتيجية لأن ضعف المؤسسات الكردستانية قد يؤدي إلى تعقيد الملفات الاتحادية وفتح خلافات جديدة حول الموازنة والنفط والمناطق المتنازع عليها والصلاحيات الدستورية ولذلك فإن مصلحة بغداد الحقيقية لا تكمن في تشجيع الانقسام بقدر ما تكمن في استعادة دور الدولة الاتحادية وضمان وحدة المؤسسات ومنع انتقال التنافس السياسي إلى صراع أمني
وعلى المستوى الإقليمي فإن الأزمة تضع إيران وتركيا أمام حسابات مختلفة فإيران تمتلك علاقات سياسية وأمنية واقتصادية متجذرة مع الاتحاد الوطني وتولي أهمية خاصة للسليمانية بحكم موقعها الجغرافي وصلاتها السياسية بينما ترتبط تركيا بعلاقات اقتصادية وأمنية وثيقة مع الحزب الديمقراطي الكردستاني وتعتبر استقرار أربيل جزءا مهما من مصالحها في شمال العراق ومن هنا يمكن أن تتحول الأزمة إلى مساحة إضافية للتنافس الإقليمي على النفوذ لكن من غير الدقيق افتراض أن السليمانية ستتحول تلقائيا إلى امتداد للقرار الإيراني أو أن أربيل ستصبح مجرد أداة للسياسة التركية فلكل طرف حساباته المحلية ومصالحه الوطنية والحزبية التي قد تتقاطع مع المصالح الخارجية دون أن تتطابق معها
أما الولايات المتحدة فإن أولوياتها ستتركز على منع تفكك المنظومة الأمنية وإبقاء إقليم كردستان ضمن إطار الاستقرار العراقي وحماية المصالح الاستراتيجية في المنطقة ولذلك من المرجح أن تمارس واشنطن ضغوطا سياسية باتجاه استئناف التفاوض ومنع أي خطوات تؤدي إلى إنشاء مؤسسات أمنية وعسكرية متنافسة لأن الانقسام في منطقة حساسة جغرافيا وأمنيا قد يفتح المجال أمام أطراف أخرى لاستثمار الفراغ وتوسيع نفوذها
وبالنسبة إلى سورية فإن ما يجري في العراق يحمل دلالات سياسية وأمنية تتجاوز الحدود العراقية فالعلاقات الحزبية والسياسية بين القوى الكردية في العراق ونظيراتها في سورية تجعل أي تحول في ميزان القوى داخل إقليم كردستان قابلا للتأثير في التحالفات والاصطفافات السياسية في شمال شرق سورية كما أن انشغال الحزبين العراقيين بأزمتهما الداخلية قد يغير طبيعة أدوارهما الإقليمية ويعيد ترتيب قنوات التأثير على القوى الكردية السورية وفي المقابل قد تحاول بعض الأطراف استثمار الانقسام لتوسيع هامش المناورة السياسية والأمنية في المنطقة
ومن هنا تبرز أهمية أن تتعامل دمشق مع التطورات من منظور الدولة ومصالحها الاستراتيجية لا من منظور الاصطفاف مع هذا الحزب أو ذاك فالمصلحة السورية تقتضي دعم استقرار العراق ووحدة مؤسساته وتعزيز العلاقات مع مختلف مكوناته السياسية والاجتماعية على أساس احترام السيادة والتعاون المتبادل كما أن التجربة العراقية تقدم درسا مهما لسورية مفاده أن التعددية السياسية لا يمكن أن تتحول إلى استقرار حقيقي إذا بقيت المؤسسات السيادية والأمنية خاضعة للولاءات الحزبية أو مراكز النفوذ المتنافسة
أما المسار المستقبلي للأزمة فيتجه نحو ثلاثة احتمالات رئيسية يتمثل الأول في احتواء التصعيد عبر تسوية سياسية تعيد توزيع الصلاحيات وتضمن مشاركة الاتحاد الوطني في المؤسسات الجديدة وهذا المسار يظل الأكثر عقلانية لأن الطرفين يدركان أن تكلفة الانقسام الاقتصادي والأمني والسياسي ستكون مرتفعة على الجميع ويتمثل الاحتمال الثاني في استمرار الانقسام المؤسساتي دون إعلان انفصال رسمي بحيث تدير أربيل مؤسساتها وتعمل السليمانية على بناء إدارة موازية في نطاق نفوذها وهذا السيناريو قد يكون الأكثر قابلية للتحقق إذا استمر التعثر السياسي لأن تنفيذه لا يحتاج إلى مواجهة عسكرية مباشرة وإنما إلى قرارات إدارية ومالية متراكمة أما الاحتمال الثالث فيتمثل في انتقال الخلاف إلى المجال الأمني والعسكري وهو السيناريو الأخطر والأقل مصلحة للطرفين لكنه قد يصبح أكثر احتمالا إذا ترافقت القرارات السياسية مع تحركات ميدانية أو تنافس على المؤسسات والموارد والمناطق الحساسة
وفي تقديري فإن بافل طالباني يستخدم ورقة الإدارة المستقلة لرفع سقف التفاوض وإجبار الحزب الديمقراطي على إعادة النظر في طريقة إدارة المرحلة المقبلة لكن خطورة هذه الورقة تكمن في أن التهديدات السياسية قد تتحول إلى مسارات فعلية عندما تتراكم القرارات المتبادلة وتتراجع الثقة بين القيادات ويصبح التراجع أمام القواعد الحزبية أكثر كلفة من الاستمرار في التصعيد ولذلك فإن الأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان الانسحاب وسيلة ضغط تفاوضية أم بداية انتقال تدريجي نحو نظام إدارتين جديد
إن المعركة الحقيقية في أربيل والسليمانية ليست معركة على كرسي رئاسة البرلمان أو عدد الحقائب الوزارية بل معركة على شكل السلطة ومن يمتلك حق تمثيل الإقليم وإدارة موارده وتحديد علاقاته الخارجية والأمنية وفي حال عجز الحزبين عن التوصل إلى صيغة شراكة جديدة فإنهما لن يخسرا فقط جزءا من قوة الإقليم التفاوضية بل قد يفتحان الباب أمام إعادة تشكيل التوازنات العراقية والإقليمية على حساب الاستقرار الداخلي
فالدول والمناطق لا تفقد قوتها دائما نتيجة الحروب المباشرة بل قد تبدأ خسارتها عندما تتحول مؤسساتها إلى ساحات تنافس حزبي وتصبح الجغرافيا السياسية امتدادا للصراعات الداخلية والسؤال الاستراتيجي اليوم ليس من سينتصر في مواجهة أربيل والسليمانية بل من سيدفع ثمن انقسام القرار الكردستاني وهل يدرك الطرفان أن قوة إقليم كردستان لم تكن يوما في امتلاك أحدهما السلطة منفردا بل في قدرتهما على بناء مؤسسة موحدة تتسع للتعددية وتحمي المصالح المشتركة وتمنع تحويل الخلاف السياسي إلى انقسام في الدولة والمجتمع





