نوفمبر 6, 2026
IMG_5063

بقلم الباحثة كنانة خلف الكردي

أزمة أربيل والسليمانية وإعادة تشكيل التوازنات الكردية في العراق
تشكل التطورات السياسية المتسارعة في إقليم كردستان العراق منعطفا مهما في مستقبل البنية السياسية والأمنية للعراق برمته ولا يمكن التعامل مع تلويح بافل طالباني رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بالانسحاب من حكومة الإقليم وتشكيل إدارة مستقلة في السليمانية باعتباره مجرد خلاف حزبي على المناصب أو توزيع الصلاحيات بل نحن أمام أزمة عميقة تتعلق بطبيعة السلطة ومراكز القرار وحدود الشراكة السياسية ومستقبل العلاقة بين أربيل والسليمانية في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية

تعود جذور الأزمة إلى الخلاف المتراكم بين الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة بافل طالباني حول تشكيل حكومة الإقليم وتوزيع المناصب السيادية والإدارية والأمنية وقد جاءت جلسة برلمان كردستان الأخيرة في أربيل لتكشف حجم التباعد بين الطرفين بعدما مضى الحزب الديمقراطي في عقد الجلسة وانتخاب رئاسة البرلمان وسط مقاطعة الاتحاد الوطني الذي اعتبر الخطوة تجاوزا للتوافق السياسي وإخلالا بالشراكة التي قامت عليها إدارة الإقليم ومن هنا جاء موقف طالباني بالانسحاب من الحكومة وعدم الاعتراف بمخرجات الجلسة والتلويح بتشكيل مؤسسات موازية في السليمانية بما فيها رئاسة للإقليم ورئاسة للحكومة في حال استمرار النهج الأحادي

لكن القراءة لهذا التصعيد تكشف أن الاتحاد الوطني لا يتحرك فقط دفاعا عن حصة حكومية أو موقع برلماني بل يسعى إلى إعادة تثبيت مكانته السياسية داخل المعادلة الكردستانية ومنع تحول التفوق الانتخابي للحزب الديمقراطي إلى تفوق مؤسساتي مطلق يستطيع من خلاله التحكم بمفاصل القرار السياسي والاقتصادي والأمني وفي المقابل يرى الحزب الديمقراطي أن نتائج الانتخابات تمنحه شرعية المضي في تشكيل المؤسسات وإنهاء حالة التعطيل التي استمرت طويلا وهنا تتصادم رؤيتان مختلفتان لمفهوم الشرعية إحداهما تستند إلى الأغلبية الانتخابية والأخرى تستند إلى مبدأ الشراكة السياسية والتوازن التاريخي بين الحزبين

إن أخطر ما في هذه الأزمة أنها تعيد إلى الذاكرة مرحلة الإدارتين التي عاشها إقليم كردستان خلال تسعينيات القرن الماضي عندما انقسمت السلطة بين أربيل الخاضعة لنفوذ الحزب الديمقراطي والسليمانية الخاضعة لنفوذ الاتحاد الوطني ولم يكن ذلك الانقسام إداريا فحسب بل امتد إلى المؤسسات الحكومية والأجهزة الأمنية والتشكيلات العسكرية ومراكز القرار والعلاقات الخارجية ورغم أن الظروف الحالية تختلف عن ظروف التسعينيات فإن استمرار التصعيد قد يعيد إنتاج ازدواجية السلطة بصورة جديدة ولكن ضمن بيئة عراقية وإقليمية أكثر تعقيدا وتشابكا

ومن الناحية الأمنية فإن الخطر الحقيقي لا يبدأ بالضرورة من المواجهة العسكرية بل من تآكل وحدة القرار الأمني وتعدد المرجعيات السياسية التي تتحكم بالمؤسسات والتشكيلات المسلحة فعدم اكتمال دمج قوات البيشمركة ضمن قيادة وطنية موحدة يجعل استمرار الخلاف السياسي عاملا مؤثرا في مستقبل التنسيق العسكري والأمني وقد يؤدي بناء إدارة موازية إلى ترسيخ الولاءات الحزبية داخل المؤسسات الأمنية وتعميق الانقسام في الصلاحيات والقيادات وهذا لا يعني أن المواجهة المسلحة أصبحت حتمية لكنه يعني أن استمرار الأزمة يرفع احتمالات الاحتكاك ويضعف قدرة الإقليم على مواجهة التهديدات الأمنية المشتركة

أما اقتصاديا فإن الانقسام المحتمل يحمل تداعيات تتجاوز حدود الخلاف بين الحزبين إلى مستقبل الرواتب والموازنة والنفط والمنافذ الحدودية والتجارة الخارجية فالسليمانية تمتلك أهمية جغرافية واقتصادية في علاقاتها الحدودية مع إيران بينما تتمتع أربيل ودهوك بثقل كبير في منظومة التجارة والطاقة والعلاقات الاقتصادية مع تركيا وإذا تحولت هذه الجغرافيا إلى أدوات ضغط حزبي فقد يجد الإقليم نفسه أمام منظومتين ماليتين وإداريتين متنافستين الأمر الذي سيؤثر في حركة الاستثمار والتجارة وثقة الشركات والمستثمرين كما أن محاولة السليمانية التفاهم المباشر مع بغداد بشأن الرواتب والمخصصات قد تفتح مرحلة جديدة من العلاقة بين الحكومة الاتحادية ومناطق الإقليم لكنها ستظل مرتبطة بالإطار الدستوري والمالي الذي ينظم العلاقة بين بغداد وأربيل ولا يمكن تحويلها إلى استقلال مالي بمجرد إعلان سياسي

وفي هذا السياق تبدو بغداد أمام فرصة لإعادة ترتيب علاقتها بإقليم كردستان من خلال التعامل المباشر مع القوى السياسية الكردية بدلا من الاعتماد على مرجعية تفاوضية واحدة لكن هذه الفرصة تحمل في الوقت نفسه مخاطر استراتيجية لأن ضعف المؤسسات الكردستانية قد يؤدي إلى تعقيد الملفات الاتحادية وفتح خلافات جديدة حول الموازنة والنفط والمناطق المتنازع عليها والصلاحيات الدستورية ولذلك فإن مصلحة بغداد الحقيقية لا تكمن في تشجيع الانقسام بقدر ما تكمن في استعادة دور الدولة الاتحادية وضمان وحدة المؤسسات ومنع انتقال التنافس السياسي إلى صراع أمني

وعلى المستوى الإقليمي فإن الأزمة تضع إيران وتركيا أمام حسابات مختلفة فإيران تمتلك علاقات سياسية وأمنية واقتصادية متجذرة مع الاتحاد الوطني وتولي أهمية خاصة للسليمانية بحكم موقعها الجغرافي وصلاتها السياسية بينما ترتبط تركيا بعلاقات اقتصادية وأمنية وثيقة مع الحزب الديمقراطي الكردستاني وتعتبر استقرار أربيل جزءا مهما من مصالحها في شمال العراق ومن هنا يمكن أن تتحول الأزمة إلى مساحة إضافية للتنافس الإقليمي على النفوذ لكن من غير الدقيق افتراض أن السليمانية ستتحول تلقائيا إلى امتداد للقرار الإيراني أو أن أربيل ستصبح مجرد أداة للسياسة التركية فلكل طرف حساباته المحلية ومصالحه الوطنية والحزبية التي قد تتقاطع مع المصالح الخارجية دون أن تتطابق معها

أما الولايات المتحدة فإن أولوياتها ستتركز على منع تفكك المنظومة الأمنية وإبقاء إقليم كردستان ضمن إطار الاستقرار العراقي وحماية المصالح الاستراتيجية في المنطقة ولذلك من المرجح أن تمارس واشنطن ضغوطا سياسية باتجاه استئناف التفاوض ومنع أي خطوات تؤدي إلى إنشاء مؤسسات أمنية وعسكرية متنافسة لأن الانقسام في منطقة حساسة جغرافيا وأمنيا قد يفتح المجال أمام أطراف أخرى لاستثمار الفراغ وتوسيع نفوذها

وبالنسبة إلى سورية فإن ما يجري في العراق يحمل دلالات سياسية وأمنية تتجاوز الحدود العراقية فالعلاقات الحزبية والسياسية بين القوى الكردية في العراق ونظيراتها في سورية تجعل أي تحول في ميزان القوى داخل إقليم كردستان قابلا للتأثير في التحالفات والاصطفافات السياسية في شمال شرق سورية كما أن انشغال الحزبين العراقيين بأزمتهما الداخلية قد يغير طبيعة أدوارهما الإقليمية ويعيد ترتيب قنوات التأثير على القوى الكردية السورية وفي المقابل قد تحاول بعض الأطراف استثمار الانقسام لتوسيع هامش المناورة السياسية والأمنية في المنطقة

ومن هنا تبرز أهمية أن تتعامل دمشق مع التطورات من منظور الدولة ومصالحها الاستراتيجية لا من منظور الاصطفاف مع هذا الحزب أو ذاك فالمصلحة السورية تقتضي دعم استقرار العراق ووحدة مؤسساته وتعزيز العلاقات مع مختلف مكوناته السياسية والاجتماعية على أساس احترام السيادة والتعاون المتبادل كما أن التجربة العراقية تقدم درسا مهما لسورية مفاده أن التعددية السياسية لا يمكن أن تتحول إلى استقرار حقيقي إذا بقيت المؤسسات السيادية والأمنية خاضعة للولاءات الحزبية أو مراكز النفوذ المتنافسة

أما المسار المستقبلي للأزمة فيتجه نحو ثلاثة احتمالات رئيسية يتمثل الأول في احتواء التصعيد عبر تسوية سياسية تعيد توزيع الصلاحيات وتضمن مشاركة الاتحاد الوطني في المؤسسات الجديدة وهذا المسار يظل الأكثر عقلانية لأن الطرفين يدركان أن تكلفة الانقسام الاقتصادي والأمني والسياسي ستكون مرتفعة على الجميع ويتمثل الاحتمال الثاني في استمرار الانقسام المؤسساتي دون إعلان انفصال رسمي بحيث تدير أربيل مؤسساتها وتعمل السليمانية على بناء إدارة موازية في نطاق نفوذها وهذا السيناريو قد يكون الأكثر قابلية للتحقق إذا استمر التعثر السياسي لأن تنفيذه لا يحتاج إلى مواجهة عسكرية مباشرة وإنما إلى قرارات إدارية ومالية متراكمة أما الاحتمال الثالث فيتمثل في انتقال الخلاف إلى المجال الأمني والعسكري وهو السيناريو الأخطر والأقل مصلحة للطرفين لكنه قد يصبح أكثر احتمالا إذا ترافقت القرارات السياسية مع تحركات ميدانية أو تنافس على المؤسسات والموارد والمناطق الحساسة

وفي تقديري فإن بافل طالباني يستخدم ورقة الإدارة المستقلة لرفع سقف التفاوض وإجبار الحزب الديمقراطي على إعادة النظر في طريقة إدارة المرحلة المقبلة لكن خطورة هذه الورقة تكمن في أن التهديدات السياسية قد تتحول إلى مسارات فعلية عندما تتراكم القرارات المتبادلة وتتراجع الثقة بين القيادات ويصبح التراجع أمام القواعد الحزبية أكثر كلفة من الاستمرار في التصعيد ولذلك فإن الأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان الانسحاب وسيلة ضغط تفاوضية أم بداية انتقال تدريجي نحو نظام إدارتين جديد

إن المعركة الحقيقية في أربيل والسليمانية ليست معركة على كرسي رئاسة البرلمان أو عدد الحقائب الوزارية بل معركة على شكل السلطة ومن يمتلك حق تمثيل الإقليم وإدارة موارده وتحديد علاقاته الخارجية والأمنية وفي حال عجز الحزبين عن التوصل إلى صيغة شراكة جديدة فإنهما لن يخسرا فقط جزءا من قوة الإقليم التفاوضية بل قد يفتحان الباب أمام إعادة تشكيل التوازنات العراقية والإقليمية على حساب الاستقرار الداخلي

فالدول والمناطق لا تفقد قوتها دائما نتيجة الحروب المباشرة بل قد تبدأ خسارتها عندما تتحول مؤسساتها إلى ساحات تنافس حزبي وتصبح الجغرافيا السياسية امتدادا للصراعات الداخلية والسؤال الاستراتيجي اليوم ليس من سينتصر في مواجهة أربيل والسليمانية بل من سيدفع ثمن انقسام القرار الكردستاني وهل يدرك الطرفان أن قوة إقليم كردستان لم تكن يوما في امتلاك أحدهما السلطة منفردا بل في قدرتهما على بناء مؤسسة موحدة تتسع للتعددية وتحمي المصالح المشتركة وتمنع تحويل الخلاف السياسي إلى انقسام في الدولة والمجتمع