رياض سعد
عندما وُلِدَت فاطمة، لم يفرح بها أبوها كثيرًا… ؛ كان قد تزوج من أمها بعد زواجٍ أول أنجب منه فتاتين في غاية الجمال، لكنه كان يتوق إلى ولد، حتى لو كان قبيحًا أو معاقًا… ؛ لهذا السبب، طلق زوجته الأولى دون مسوغ قانوني أو إنساني، واقترن بزوجته الثانية التي رزقته بمولوده الأول الذكر، فسماه محمدًا، وفرح به فرحًا عظيمًا. ثم جاءت من بعده فاطمة، التي كانت تذكّره بزواجه الأول وتجربته الفاشلة في إنجاب الذكور… ؛ ومع ذلك، فقد عاملها كما عامل أخواتها الأخريات، بالرفق والإحسان .
مرضت أمها بالسرطان وكانت فاطمة في الخامسة من عمرها، ثم التحقت أمها بالرفيق الأعلى… ؛ تكفلت أختها الكبرى سحر بالاعتناء بها، ولكن بعد عامين تزوجت سحر وغادرت منزل العائلة… ؛ لم تكتفِ الأقدار بما آل إليه الأمر في هذه العائلة، إذ توفي الوالد إثر نوبة قلبية مفاجئة بعد سنة من زواج سحر… ؛ عندها ضاقت الدنيا بما رحبت على الأخت الكبرى أشواق، وفاطمة، وأخيها محمد الذي يكبرها بأربع سنوات، بينما تكبره أخته من أبيه أشواق بخمس سنوات … .
تكفل الجيران بمراسيم دفن الأب؛ لأن العائلة كانت مستأجرة للبيت، ولم يترك لهم أبوهم شيئًا يذكر، فقد كان فقير الحال، يسعى من أجل القوت والكفاف لا غير… ؛ ولأنه كان الولد الوحيد لأبيه، فقد عانى المرحوم من صروف الزمان وغدر الناس، وعاش بلا ناصر ولا معين… ؛ ولعل هذا السبب هو الذي دفعه للتشبث بفكرة إنجاب الاولاد وتفضيل الذكور على الإناث …
بعد رحيل الأب، كشَّرت الدنيا عن أنيابها، وأبان الزمان عن وجهه الآخر القبيح، وأعلن الدهر الحرب على هؤلاء الأيتام الصغار… ؛ فقد ذهلوا من وقع المصاب ومرارة الفقد وذهاب المعيل والحامي والكافل…
قاسية هي الحياة التي تصدم الأفراد وهم صغار، إذ يكبرون وتكبر معهم الهموم والآلام والمسؤوليات والتحديات، لا سيما وهم يعيشون في مجتمع تضربه الفوضى العارمة من شماله إلى جنوبه، وتعتريه غيوم التناقضات، ويمتلئ جوّه بأدخنة الصراعات والأزمات، ويختنق أبناؤه بسموم التلوث الروحي والحضاري والبيئي… ؛ ولا شك أن هذه المقدمات السلبية ستسفر عن نتائج مؤلمة، بل أشد قسوة وظلمًا وظلامًا… ؛ فالظلم يتراكم كالقمامة إذا أهملت، وعندها تزكم رائحته الأنوف .
بعد شهرين من وفاة الوالد، قرر صاحب البيت طردهم لعدم استطاعتهم دفع الإيجار… ؛ كانوا خلال الشهرين المنصرمين يدبرون أمورهم بمساعدة الجيران وصدقاتهم… ؛ هنا وقع المحذور، وحدث ما لم يكن في الحسبان… ؛ ها هي أشواق تنظر إلى وجه أخيها الصغير محمد، وهما يتبادلان أطراف الحديث حول مصيرهما المجهول… ؛ اذ قررا بعد المشاورات والتفكير المضني البحث عن شقة في إحدى العمارات السكنية في منطقة زراعية رخيصة… ؛ و عثرا على شقة صغيرة في الطابق الثاني، لا يتجاوز إيجارها مائة وخمسين ألفًا في الشهر.
بعد ذلك، خرج الصبي محمد إلى الشارع ليبيع قناني الماء البلاستيكية… ؛ تعرَّض هذا الولد، الذي كان مدلَّلاً ومنعَّمًا في ظل أبيه الذي كان يحبه حدَّ الوله، لشتى الإهانات والمضايقات في الشوارع… ؛ تغير لون بشرته البيضاء التي أحرقها لهيب أشعة شمس تموز وآب، ومالت نحو الاسمرار شيئًا فشيئًا… ؛ ثم بدأت ملامحه تسير نحو التقدم في السن، فكأنه شيخ في زمن الصبا، من كثرة الهموم والمصاعب التي يواجهها في الشوارع، لا سيما من أبناء الشوارع أو من الذين يتخلقون بأخلاق أبناء الشوارع …
كانت حصة فاطمة من البؤس والفقر وسوء التغذية والإهمال وظلم الزمان، حصة الأسد… ؛ فقد عانت هذه البنت منذ نشأتها الأولى من الحيف والغبن، إذ جاءت إلى هذه الحياة بجسم هزيل شبه معاق… ؛ و كانت يداها رفيعتين، وقدماها ضعيفتين للغاية، وكأنها تعاني من مرض السل لشدة نحافتها… ؛ فضلاً عن أنها تعاني من نوبات الربو، ويعلو محياها الاصفرار بسبب فقر الدم، وتعاني من النحول والكسل بسبب الضعف العام… ؛ كانت تتقلب على الفراش كل ليلة كالشخص الملدوغ من أخطر الأفاعي، يؤرقها القلق والخوف، ويحرمها الحنين إلى صدر أمها الدافئ لذيذ النوم … .
لم تكن النقود التي يأتي بها محمد يوميًا إلى الشقة تكفي لسد جميع الاحتياجات الضرورية… ؛ فالشقة تحتاج إلى دفع فواتير وأجور الإيجار والكهرباء والماء والإنترنت والاتصالات، فضلاً عن ضرورة توفير الغذاء والدواء والملابس والمواد المنزلية والأجهزة الكهربائية الضرورية … ؛ عندها راجعت أشواق حساباتها مع أخيها، وبدأت التفاوض معه مرة أخرى لإيجاد مخرج لهذا المأزق… ؛ و بعد اللتيا والتي، استطاعت إقناع أخيها بضرورة نزولها إلى العمل… ؛ لم يكن موافقًا في بداية الأمر، إلا أنه رضخ للأمر الواقع… ؛ فأحيانًا لا تستطيع القيم والمبادئ مواجهة سطوة الحياة وقسوة الواقع… ؛ فما ضرب الله العباد بسوط أوجع من الفقر، ولا أذل من العوز، والأنكى من ذلك كله: ضياع الأيتام على موائد اللئام …
تقربت إحدى النساء الساكنات في نفس العمارة من أشواق، وبعد أن تعرفت على ظروفها، وشاهدت مفاتن جسمها ومحاسن جمالها، وبعد أن توطدت العلاقة بحكم الجوار، سال لعاب جارتها أم ميادة عليها… ؛ رأت فيها صيدًا ثمينًا يستحق الجهد والعناء… ؛ طالما حملت أم ميادة الطعام إلى شقة أشواق، وأهدتها بعض العطور والإكسسوارات النسائية والملابس الداخلية المثيرة… ؛ شعرت أشواق بأن أبواب السماء قد فُتحت لها، وأن الحظ حالفها هذه المرة، إذ بعث لها القدر هذه الجارة الطيبة الكريمة… ؛ لم تكن تعلم بأن المصائب لا تأتي فرادى، بل كتائب كتائب… ؛ و لم تسمع بالمثل الإيطالي القائل: “احذر من الذي يقدم لك الكثير من الهدايا”… ؛ بالإضافة إلى أن الرؤية الواضحة والقرار القوي والرأي الحكيم والصارم لا يأتي من موقع الضعف أبدًا، فالضعف يولد مزيدًا من الضعف … .
أم ميادة كانت ضحية هي الأخرى من ضحايا الفقر والعوز والبؤس… ؛ فهي لم تكن بهذا السوء عندما كانت تعيش في كنف أهلها الذين رحلوا عن بكرة أبيهم… ؛ ثم اقترنت بشخص عديم الشرف والمسؤولية والرجولة، رمى على كاهلها مسؤولية البيت والعيال، وتفرغ هو لمعاقرة الخمور مع أصدقاء السوء، ولعب القمار في نوادي القمار، والادهى أنه أحيانًا كان يصرف ما تبقى لديه من نقود على بائعات الهوى… ؛ كان أبو ميادة سائق سيارة أجرة، ولم يكتفِ بما يصرفه من وارد السيارة على ملذاته الشخصية، بل كان يأخذ من أم ميادة النقود أيضًا…
في بادئ الأمر، عملت أم ميادة خادمة في أحد البيوت الراقية في بغداد، إلا أنها عزفت عن ذلك العمل بسبب سوء المعاملة وقلة الأدب من صاحبة البيت المتعجرفة… ؛ بعدها عملت حفافة في شقتها، لكن نساء المنطقة امتنعن عن الذهاب إليها بسبب منع أزواجهن لهن من الدخول إلى العمارات السكنية… ؛ ثم أشارت عليها إحدى النساء بالذهاب إلى صالون تجميل للعمل فيه مع صاحبة الصالون المدعوة شهد… ؛ ذهبت أم ميادة إليها وتم الاتفاق بينهما، وشرعت في العمل… ؛ و بمرور الأيام وتوطد العلاقة بينهما، بدأت شهد تحدثها عن أن النساء اللواتي يلعبن بالأموال ويلبسن الحلي الذهبية ويركبن أحدث السيارات، لسن أفضل منها…
ردت أم ميادة: “قسمة ونصيب، ولكل إنسان نصيبه في هذه الحياة”…
فردت عليها شهد مستهزئة: “يا قسمة يا نصيب… الشغلة شغلة شطارة”…
استمر مسلسل الإغراء الشيطاني إلى أن وقعت في الفخ، وأصبحت أم ميادة من بائعات الهوى… ؛ و لم تكتفِ شهد بذلك، بل راحت تشجع أم ميادة على التغرير بالصبايا وإقناعهن بضرورة سلوك هذا الدرب، ووعدتها بمكافأة مجزية وهدية رائعة مع كل ضحية جديدة وصبية جميلة …!!
شاءت الأقدار أن تسكن أشواق بالقرب من أم ميادة الواقعة تحت تأثير الكوافيرة شهد، صاحبة الصالون الذي هو أشبه ببؤرة مشبوهة لاصطياد النساء، لا سيما الجميلات منهن، وبالتعاون مع بعض رجال القانون والأمن المنحرفين والفاسدين… ؛ ولسوء الحظ، كانت أشواق أولى ضحايا أم ميادة …
بعد إلحاح أم ميادة على أشواق وإقناعها بضرورة العمل، وبعد مناقشة الأمر مع أخيها محمد وإقناعه به وإن كان على مضض … ؛ ذهبت أشواق بمعية أم ميادة إلى صالون الكوافيرة شهد… ؛ بعد الترحاب والمجاملات، شرعت أم ميادة بتعليم أشواق فنون الحلاقة والتجميل…
بعد مضي شهرين على العمل، بدأت شهد بإغراء أشواق والإيقاع بها، إلا أنها واجهت صعوبة بالغة في إقناعها لكونها صبية باكر وغير متزوجة وتخاف من الرجال…
استمر مسلسل الإغراء شهرين، قدمت خلالهما شهد مختلف الهدايا الثمينة، وأقنعت أشواق بضرورة تجربة الحب والعشق، لا سيما وأن الشاب نزار الثري كان وسيمًا وخفيف الظل … ؛ قد اتفق مع شهد منذ البداية على أشواق.
أغوت شهد أشواق وأقنعتها بأن الشاب نزار يريد الزواج منها على سنة الله ورسوله… ؛ كانت أشواق تمانع وترفض، وفي إحدى الأيام جاءت شهد ومعها خاتم ذهب عيار 21 جميل للغاية، وقدمته لأشواق، وقالت لها إن نزار أرسله لها كعربون محبة… ؛ هنا تغير تفكير أشواق جذريًا… ؛ فالذهب طالما فتح مغاليق ذهن المرأة وكسر سلاسل حذرها… ؛ بعد يومين وافقت على رؤية نزار والالتقاء به …
جلس الذئب الغادر نزار مع الشاة البريئة أشواق، وبدأ يحدثها عن حبه لها ووله بها، ورسم لها قصورًا عالية من السعادة والنعيم، ووعدها بالأمن والأمان والطمأنينة والاستقرار، وأقسم لها بأغلظ الأيمان بأنه سيصونها ويحميها ويحفظ شرفها، ويتزوجها على سنة الله ورسوله، ولن يخذلها أبدًا…
أتقن نزار الدور وأجاد التمثيل، ولا ينبئك مثل خبير… ؛ فقد كان زير نساء وخبيرًا بشؤونهن أكثر منهن أحيانًا، ولذلك لكثرة ضحاياه منهن… ؛ فالمعلومة قد تكون بلسمًا شافيًا، وقد تكون سمًا زعافًا…
سار معها في الأسبوع الأول بسيرة فرسان الأحلام، وفي الأسبوع الثاني أغدق عليها بالهدايا والعطايا، فضلاً عن إطعامها بألذ الأطعمة في أرقى المطاعم، وكأنه حاتم زمانه… ؛ و في هذه الأثناء، شعرت أشواق أنها في الجنة، وحلقت بأحلامها البريئة وأمانيها المؤجلة إلى عنان السماء، وأصبحت ترى في نزار الشاب الأنموذج والرجل المثالي الكامل .
فقد جمع بين جمال الجسد والروح، وطيب النفس ورقي التصرف… ؛ وأحيانًا كانت تنظر إليه بدهشة، ويسرح خيالها بعيدًا، وتتمنى لو تعانقه وتقبله من فمه ورقبته وجبينه، وتضع رأسه على صدرها، لولا الحياء الذي يمنعها… ؛ لم تكن تعلم أنه كان يعرف تمام المعرفة بمزاياه وسماته، بالإضافة إلى معرفته بنقاط ضعفها… ؛ كان كالقصاب الذي يطعم الخروف بسخاء، كي يذبحه فيما بعد، ويطبخه على نار هادئة حتى يذوب اللحم ويتفتت العظم …!!
بدأت التحضيرات، وجرت المفاوضات بين الكوافيرة شهد والشاب نزار حول افتضاض بكارة أشواق، والمبلغ المطلوب إزاء ذلك… ؛ اتفق الطرفان على التفاصيل، وشرع نزار في تنفيذ الفصل الأخير من المسرحية الدرامية المتكررة دائمًا في أمكنة وأزمنة البؤس المتكلس والشر المتجذر…
طلبت شهد من أشواق ضرورة البقاء في الصالون ثم الذهاب معها إلى البيت بحجة كثرة الزبائن، إذ طلبت منها أن تأتي إلى العمل يوم الأربعاء وترجع إلى شقتها يوم السبت… ؛ ذهبت أشواق إلى أخيها وأقنعته بضرورة المبيت في العمل بسبب ازدحام العرائس على الصالون… ؛ خلال هذه الأثناء، كانت فاطمة تراقب تصرفات أخيها محمد وأختها أشواق والتغييرات الجذرية التي طرأت عليها…
فقد حمَّل كل من محمد وأشواق فاطمة جميع مسؤوليات البيت… ؛ فهي وحدها المسؤولة عن الطبخ والتنظيف وغسل الملابس وترتيب المواد وتحضير كل ما يحتاجه محمد أو تحتاجه أشواق… ؛ كانت فاطمة تقضي وقتها بين أداء المهام المنزلية المناطة بها وبين العبادة وقراءة القرآن والأدعية …
اتصل نزار بأشواق صباح يوم الأربعاء وهي في صالون الكوافيرة شهد، وطلب منها الحضور فورًا لكي تختار مهرها من الذهب… ؛ قالت أشواق للكوافيرة شهد: “إن نزار يريدني لكي نذهب إلى محلات الصاغة للاتفاق على شراء ذهب العرس، وقد فاجأني بذلك”…
ردت عليها شهد بابتسامة خبيثة: “اذهبي معه على الخير والبركة”.
جاء نزار بسيارته الحديثة مسرعًا، وذهب مع أشواق إلى محلات الصاغة، واختارت الحلي الذهبية، ثم انصرفا بعد تحديد تلك الحلي…
قال لها: “سوف نرجع إلى الصائغ بعد يومين، وبعدها نذهب إلى السيد المأذون كي يعقد لنا عقد الزواج على سنة الله ورسوله”…
سار بها إلى طريق لم تألفه من قبل …
فقالت له: “إلى أين نحن ذاهبون؟”
فأجابها: “إلى منزلك وبيت سعادتك”.
لم تصدق نفسها، وطارت روحها من البهجة، واغرورقت عيناها بالدموع من الفرح…
عندما دخلا البيت الجميل الكائن في أحد الأحياء الراقية، ذهب نزار وعاد لها بكأس من العصير… ؛ وما إن شربت العصير حتى فقدت وعيها… ؛ بعد تخديرها، قام نزار باغتصابها وفض بكارتها، ومارس الجنس معها أكثر من مرة…
كانت أشواق تتألم وتتأوه وهي مخدرة، وسالت الدماء…
كان نزار سكران حتى الثمالة، وهو في غاية السعادة… ؛ فالبعض ينتابه شعور بالفرح والانتصار والفخر إذا قام بهتك الحرمات وانتهاك الأعراض والإيقاع بالضعفاء والأبرياء والنساء… ؛ بل إن البعض منهم يعد ذلك من الرجولة، وكأنه فتح حصون الأعداء، وحمى الديار، وأطعم الجياع والبؤساء، وخاض المعارك، وقارع الفرسان، وجندل الأبطال …!!
في الليل، شعرت أشواق بالدوار والغثيان وفقدان القدرة على الحركة… ؛ جاءها وسقاها مرة أخرى، فغطت في نوم عميق… ؛ ثم مارس الجنس معها يوم الخميس ولأكثر من مرة، وهي تتأوه أيضًا… ؛ و في الليل استيقظت وحاولت النهوض، وطلبت من نزار طعامًا لأنها جائعة… ؛ جاءها بالطعام وأطعمها بيديه، وسقاها الماء، وبدأت تستعيد قواها شيئًا فشيئًا… ؛ سألت نزار عما حدث، فجاءها مسرعًا وسقاها عصيرًا للمرة الثالثة، فنامت كالمعتاد، ومارس الجنس معها ولأكثر من مرة…
ما إن جاءت ظهيرة يوم الجمعة، حتى قام بجرها إلى الحمام وغسل جسدها باستثناء شعرها، وأعاد ملابسها إليها، ثم عمل على إفاقتها…
عندما عاد إليها وعيها، سألت نزار مرة أخرى عن حالها وماذا جرى لها…
جاءها بالطعام والماء، وبعد أن شبعت وارتوت…
سألته مرة أخرى… ؛ فرد عليها: “أنت غبت عن الوعي، وخفت من الذهاب بك إلى المستشفى، وبقيت ساهرًا طوال الليل وأجلس بالقرب منك، ثم قمت بإدخالك إلى الحمام ورششت الماء على جسدك كي تستيقظي وتتحسن حالتك”…
توقف نزار عن الكلام، لكنها كانت مذهولة مما جرى لها، ولا تعلم كم من الساعات أو الأيام مضت وهي على هذه الحالة…
هنا بادرها نزار قائلاً: “يجب علينا الرحيل فورًا، لأن شهد اتصلت كثيرًا، ولم أجبها بسبب خوفي من ردة فعلها… , قومي على الفور كي تذهبي إلى أهلك”…
تمالكت نفسها ونهضت بعد أن غسلت وجهها، لكنها كانت تمشي بصعوبة وتشعر بالآلام لا سيما في المناطق الحساسة، فضلاً عن أنها لاحظت احمرارًا في مناطق الصدر… ؛ بعد أن ركبت السيارة، انطلق بها نزار مسرعًا، وودعها وذهب على عجل، ولم يتكلم معها كثيرًا في السيارة لأنها لم تكن على ما يرام …
و اتصلت أشواق بشهد، لكن هاتفها كان مغلقًا… ؛ ثم ذهبت إلى بيتها وهي منهكة القوى… ؛ عندما شاهدتها فاطمة، هرعت بالبكاء… ؛ لم يكن أخوها محمد في الشقة… ؛ طلبت أشواق من فاطمة عدم البكاء، وطمأنتها بأنه لا يوجد شيء يدعو للبكاء والحزن، وطلبت منها عدم إزعاجها لأنها ستدخل إلى الحمام ثم تخلو بغرفتها الخاصة…
عندها صُدمت أشواق بما شاهدته من آثار على جسدها الطري، وما تشعر به من أوجاع في المناطق الحساسة… ؛ هنا ساورتها الشكوك بما حدث لها… ؛ اتصلت بأم ميادة وأخبرتها بما جرى، فجاءت مسرعة… ؛ بعد أن اطّلعت أم ميادة على جسد أشواق، عرفت أنها لم تعد باكرًا… ؛ عندما عرفت أشواق، صرخت ولطمت خدها، وندبت حظها، وسالت الدموع من عينيها كالمطر المنهمر…
سمعت فاطمة ما دار بينهما، فناحت هي الأخرى ولطمت خدها، ودخلت عليهن الغرفة وهجمت على أم ميادة… ؛ و تعالت الصراخ بينهن… ؛ قامت أشواق وأم ميادة بضرب فاطمة ضربًا مبرحًا حتى سقطت على الأرض مغشيًا عليها…
خرجت أم ميادة من الشقة مسرعة، وأوصت أشواق بعدم التهور أو الاستعجال في اتخاذ أي قرار… ؛ مضت تلك الليلة السوداء وفاطمة تئن من الوجع، وأشواق تتأوه من الغدر والخيبة… ؛ كلتاهما حائرة وخائفة من التداعيات وما يترتب على هذه الفاجعة من مصائب… ؛ كانت من أطول الليالي السوداء الحزينة … .
جاء الصباح، وجاء معه الهم والقلق… ؛ نهضت أشواق مسرعة وذهبت إلى الصالون، ورأت شهد وأخبرتها بما حدث… ؛ فقامت شهد بتوبيخها على فعلتها وهددتها بفضحها أمام الناس …
وقالت لها: “أنت قلت لي إنك ذاهبة معه لشراء الذهب من الصائغ، فلماذا ذهبت معه إلى مكان مغلق وخاص وبعيد عن أعين الناس؟!”
جاءت أم ميادة لتؤيد كلام الكوافيرة شهد، وتؤنب أشواق، وتحملها مسؤولية ما حدث …
وقالت لها: “لولا طمعك وجشعك لما حصل الذي حصل…
هنا استسلمت أشواق لضربات الدهر، ورفعت الراية البيضاء، وسلَّمت أمرها للكوافيرة شهد وأم ميادة… ؛ و قررت شهد عودتها إلى العمل وكأن شيئًا لم يكن… ؛ و بعد مضي عدة أيام، اتصلت أشواق بنزار فكان هاتفه مغلقًا…
ثم طلبت من شهد التدخل والضغط على نزار لتصحيح خطئه وإعلان زواجهما…
ردت عليها شهد بأنها اتصلت به أكثر من مرة لكن هاتفه كان مغلقًا، وادعت أنها لا تعرف عنه شيئًا، وكانت طريقة التواصل الوحيدة بينها وبينه هي رقم هاتفه لا غير…!!
طلبت شهد من أشواق الذهاب إلى البيت الذي ذهبت إليه مع نزار، وكانت تعلم أن أشواق لا تعرف شيئًا عن أحياء وطرق وشوارع المدينة، فهي كالقطة العمياء… ؛ عندها ضاقت الدنيا بعيني أشواق بما رحبت، وسلَّمت أمرها للواحد القهار، ولاذت بالصمت …!!
ليت هذه الصدمة المؤلمة التي تعرضت لها أشواق اقتصر تأثيرها على الحاضر فحسب… ؛ إذ أثارت هذه الصدمة لواعج ذكريات الماضي الأليم… ؛ اذ تذكرت تجربة زواج أمها الفاشلة وانفصالها عن أبيها، واقترانها برجل آخر، وانقطاع أخبارها، وعدم سؤالها عنهن… ؛ ثم مر شريط الذكريات الحزينة: تذكرت أختها سحر التي تزوجت في محافظة بعيدة من رجل لا يعترف بصلة الرحم ولا يسمح لزوجته سحر بالحصول على هاتف نقال للاطمئنان على أهلها… ؛ وكذلك ذكرى رحيل زوجة أبيها، ثم رحيل أبيها المفاجئ… ؛ لم تنس أيام الجوع والعوز والفاقة والحرمان أيضًا، فقد استذكرتها بكل تفاصيلها المؤلمة… ؛ أخبث الصدمات وأحقرها تلك التي توقظ في الإنسان ذكرى الصدمات الماضية والتجارب الحزينة والذكريات الأليمة والانتكاسات القديمة …
ومن الغريب أن يتحول المظلوم والشخص المقهور إلى ظالم، يمارس ظلمه على من هم دونه وتحت سيطرته، وكأنه ينفِّس عن ذاته المقموعة، أو يرد الصاع صاعين على الظالم الذي اضطهده… ؛ وذلك لأن لكل فعل ردَّة فعل… ؛ وبما أن الفعل هو ظلم الظالم القوي ووقوعه على المظلوم الضعيف، والمظلوم الضعيف لا بد له من ردة فعل… ؛ وبما أنه لا يستطيع ردع الظالم القوي، وكذلك لا يستطيع كبت ردة الفعل المطلوبة، فإنه يوجِّه ردة الفعل تلك نحو الضعفاء الذين هم تحت يديه أو دونه في القوة، كالنساء والأطفال والمرضى وكبار السن وغيرهم …
تحوَّلت أشواق، وللأسباب آنفة الذكر، إلى امرأة ظالمة وقاسية وسليطة اللسان وعدوانية… ؛ اذ صبَّت جام غضبها على أختها فاطمة المسكينة… ؛ وقد اجتمعت على فاطمة أوجاع الأمراض، والجسم الهزيل، وأعمال المنزل الشاقة، ومضايقات وإهانات أشواق… ؛ بل إن أشواق أصبحت تضرب فاطمة ضربًا مبرحًا بسبب ودون سبب… ؛ ضاقت فاطمة ذرعًا بتصرفات وسلوكيات أشواق، واشتكت من قسوتها إلى أخيها محمد، لكنه كان لا حول له ولا قوة أيضًا، فهو مجرد صبي ساذج قليل الخبرة في الحياة …
عادت شهد إلى عادتها القديمة… ؛ اذ رجعت الكوافيرة والسمسارة تحيك الخطط مرة أخرى… ؛ فقد جاء زبون آخر من الذين يدفعون الأموال ولا يبالون… ؛ حرَّكت شهد أم ميادة لتمهِّد الطريق من جديد… ؛ و عادت أم ميادة تمازح أشواق وتخفِّف عنها، وتذكر لها العديد من القصص المشابهة والحالات والتجارب المماثلة، وأن المسألة طبيعية والكثير من الصبايا والنساء تعرَّضن لها… ؛ بل إنها راحت تبرر للشاب المغتصب نزار وتقول لأشواق: “من يعلم ماذا حدث لنزار؟!
فالغائب عذره معه… ؛ الولد كان يعشقك، وأكيد حدث سوء فهم، أو لعل الولد تعرَّض للسجن أو سافر خارج العراق لأمر ضروري …!!
عندما عادت أشواق إلى منزلها، لم تستطع النوم… ؛ مرَّ شريط أيامها الجميلة القليلة مع الشاب الوسيم نزار، وبدأت الذكريات الحلوة تداعب شغاف قلبها من جديد… ؛ تمنت لو تعود تلك الأيام وترجع لها فرحتها المسروقة… ؛ بعض النساء، على الرغم من تجربتهن الفاشلة مع هذا أو ذاك، وتعرُّضهن للإحباط والخيبة، يحاولن جاهدات إعادة المياه إلى مجاريها… ؛ و هذا الأمر يذكِّرنا بالمقامر الذي يأخذ عهدًا على نفسه في بداية الأمر بأنه إذا خسر ماله لن يعود إلى القمار مرة أخرى، لكنه عندما يخسر لا يفي بعهده ويستمر في القمار، لشعوره النفسي بالهزيمة والخسارة ومحاولته تعويض تلك الخسارات وجبر تلك الهزيمة، وعقده الآمال على الفوز والربح وتعويض كل ما فاته وخسره… ؛ إلا أنه يزداد خسارة وإفلاسًا بمرور الأيام، ومع ذلك لا ينزجر ولا يُقلع عن القمار … !!
في اليوم التالي، جاءت أم ميادة إلى أشواق …
وقالت لها: “الحي أبقى من الميت… ؛ نزار راح، والحياة ما تتوقف على واحد… ؛ وأبو المثل يقول: يروح حمد ويجي حمود”…
وجاءت شهد وقالت لهن: “صلى الله على الحاضر… ؛ الدنيا فيها كل شيء، شيء أحلى من شيء”…
هنا اختل توازن أشواق، وأصبحت كريشة في مهب الرياح…
عندما خرجت أشواق من صالون الحلاقة وهمَّت بالرجوع إلى منزلها، رأت شابًا طويلاً أسمر، كحيل العينين، صاحب جسم رياضي رشيق وممشوق القوام، ينظر إليها بابتسامة خفيفة وإعجاب، ويقف بالقرب من سيارته الحديثة… ؛ في هذه الأثناء كانت أم ميادة تسير مع أشواق…
وقالت لها: “شفتِ هذا الولد الجميل شلون يريد يأكلج بنظراته؟”
ردت أشواق: “إي شفته، وأنا شحصلت من الحلوين؟”
فردت عليها أم ميادة: مو كل أصابعك سواء… , ولو خليت لقلبت , ولد الحلال هواي…
الشاب الأسمر أمين كان قد عقد هو الآخر اتفاقًا مع السمسارة شهد، فهو من زبائنها الأثرياء… ؛ وشاركت في الخطة كالعادة أم ميادة، والضحية أشواق أيضًا…
في اليوم الثاني والثالث والرابع والخامس، كان أمين يقف في نفس المكان وينتظر خروج أشواق من الصالون، ويتبادل معها النظرات… ؛ وأحيانًا كان يقوم ببعض الحركات الإغرائية والإيحاءات التي يتباهى من خلالها بجماله وعضلاته وجسمه الرياضي وطوله الفارع… ؛ و في المرة الأخيرة، رجعت أشواق إلى منزلها ..
وأم ميادة تقول لها: “حرام عليج، الولد صار له أسبوع يباوع عليج وينتظر منج إشارة… ؛ خطيه، ما يستاهل هيج يصير فيه… , ألف وحدة تتمناه، وتتمنى تحكي وياه”.
أدت هذه الكلمات مفعولها السحري في قلب أشواق، إذ تقلبت على الفراش وهي تفكر بهذا الشاب الوسيم …
في اليوم التالي، خرجت أشواق مع أم ميادة كالعادة… ؛ فصاح أمين على أم ميادة قائلاً: “عيني من رخصتج” – وعندما ذهبت إليه أم ميادة – سلَّمها رقم هاتفه وطلب منها تسليمه لصاحبتها… , رجعت أم ميادة مسرعة إلى أشواق وأخبرتها بأنه أعطاها رقم الهاتف…
قالت أشواق لأم ميادة: “شلون بس صاح لج رحتي له تركضين؟!”
فردت عليها أم ميادة: (( لج مو بيدي… سحرني بجماله وشخصيته القوية ))
لم تتصل أشواق بالشاب الأسمر أمين، فقد كانت مترددة بين نارين: الأولى تجربتها الأولى القاسية، والثانية شعورها الخفي الذي يدفعها للتعويض عن الخسارة الأولى وعدم تفويت الفرصة، لا سيما وأن أمين أكثر جاذبية من نزار… ؛ اذ بدا يتراءى لها وكأنه قارب النجاة الأخير، والشمعة الوحيدة في النفق المظلم… ؛ عندما ذهبت في اليوم التالي إلى العمل وخرجت من الصالون للعودة إلى البيت، وجدت أمين في انتظارها كالمعتاد، ونظر إليها نظرة عتاب ممزوجة بابتسامة خفيفة… ؛ عندما هبت الرياح،و تطايرت خصلات شعره الطويل وأشواق تنظر إليه بشغف، وكأنه من فرسان القرون الوسطى… ؛ و لأول مرة تبتسم أشواق له، ويبادلها الابتسامة…
لقد وقعت في غرامه… ؛ فالنساء أصناف مختلفة إلى حد التناقض واللعنة… ؛ فمنهن من تعجب بالرجل لمنطقه وكلامه، والبعض الثاني لحكمته وأخلاقه، والبعض الثالث لعضلاته وقوته واستهتاره وتهوره، والبعض الرابع لجماله وأناقته، والبعض الخامس لحركاته وإيحاءاته الجنسية… وهكذا .
عندما رجعت إلى البيت، اتصلت به فورًا… ؛ أمرها بإغلاق الخط كي يتصل هو بها، وأرسل لها رصيدًا بقيمة مائة دولار في نفس الساعة، مما أدهشها… ؛ كان صوته مميزًا جدًا وفيه شيء من الحنان والرجولة والحيوية… ؛ تكلما معًا في شتى المواضيع، وسارت الساعات وهي لا تشعر بها من شدة الأنس والاسترخاء… ؛ ودعها وأغلق الخط… ؛ ثم نهضت في منتصف الليل لتعاود الاتصال به، فسارع على الفور بالرد عليها والدردشة معها حتى غلبها النعاس فنامت، والأحلام الوردية تراودها من جديد … .
في اليوم التالي، عندما همَّت بالخروج من الصالون بعد انتهاء فترة العمل، وجدت أمين واقفًا بجانب سيارته… ؛ و نظرت إليه مليًّا، وتبادلت الابتسامات والتحيات معه عن بعد …
اتصلت به بعدها فورًا وقالت له: “قد حصلت على مرادك، فلماذا تتعب نفسك بالوقوف والانتظار؟! بالإضافة إلى أنني أخاف من كلام الناس، فأرجوك لا تقف أمام الصالون بعد اليوم”…
وافق أمين على طلبها… ؛ استمرا في الحديث طوال الليل، وتبادلا كلمات الإعجاب والثناء… ؛ استمر الحال على ما هو عليه طوال شهر من الزمن، وكانت وسيلة التواصل الوحيدة بينهما هي الهاتف النقال فقط …
في أحد الأيام، طلب أمين منها الخروج معه للذهاب إلى مدينة الألعاب… ؛ و خرجت معه بعد أن طلبت من الكوافيرة شهد إجازة لمدة يوم من العمل… ؛ و قام أمين باللعب والمرح معها، وجعلها تجرِّب مختلف الألعاب، ورجع بها إلى أيام الطفولة، وعوَّضها ما فاتها… ؛ مرت الساعات وكأنها أنوار النجوم وضياء الأقمار، يفوح منها أريج الجمال، وسحر الكلمات يملأ المكان والوجدان… ؛ أعادها أمين إلى الصالون، ورجعت أشواق إلى البيت وهي منبسطة الأسارير مستبشرة فرحانة، وكأن الدنيا ملكها… .
بعد يومين، فاتحها أمين بالزواج… ؛ عندها ترددت أشواق وخافت أن يفتضح أمرها ويعرف أمين حقيقتها، فتخسر حبه فضلاً عن زواجه إلى الأبد… ؛ ثم شاورت أم ميادة في الأمر، فأشارت عليها بالمصارحة وقول الحقيقة…
بعد يومين من المماطلة، نطقت بالحقيقة… ؛ عندها أغلق أمين الخط ولم يتصل بها لمدة أسبوع كامل…!!
قضت أشواق هذا الأسبوع في البكاء والقلق والأرق، وندمت لأنها عملت بنصيحة أم ميادة… ؛ لكن أم ميادة أصرَّت على صواب مشورتها …
وقالت لأشواق: “سوف تثبت لك الأيام صحة مشورتي”…
في اليوم الثامن وفي منتصف الليل، اتصل أمين… ؛ و رفعت أشواق الخط وهي تبكي… ؛ و حاول أمين التخفيف عنها وتهدئة روعها وتبديد قلقها، ثم تكلم معها وغازلها ومازحها… ؛ في هذه الليلة، عاد صوابها واستقرت نفسيتها، ونامت قريرة العين .
بعد يومين، صارحها أمين بأنه لا يستطيع الزواج منها على هذه الحال في العلن وعلى رؤوس الأشهاد، واقترح أن يكون الزواج في السر… ؛ وأشواق، كأغلب بني آدم وبنات حواء ، كلما تقدم بهم العمر ودارت الأيام دورتها، وأتعبتهم التجارب والأحداث، وخذلهم الأقربون، قَلَّت خياراتهم وانخفضت وتيرة شروطهم، حتى صاروا يرضون بأقل القليل… ؛ وافقت أشواق على هذا الزواج السري… ؛ ثم جاء أمين بأحد رجال الدين ممن يتقاضون خمسين ألفًا لإجراء عقد الزواج، والذي لم يسأل عن ظروف الزواج ولا عن أولياء الشابة أشواق… ؛ و لم يحضر معهم سوى أم ميادة. تمت الصفقة، وأصبحت أشواق عريسة الغفلة …!!
جرى تنسيق سري بين الأطراف الثلاثة – أمين وشهد وأم ميادة – حول كيفية استغلال أشواق جنسيًا من دون أن تشعر أو تعرف بحقيقة الأمر… ؛ و سمحت شهد لأشواق بالذهاب قبل انتهاء موعد العمل بعدة ساعات وبصورة شبه يومية، وأحيانًا تعطيها إجازة لمدة يوم كامل… ؛ و في هذه الأثناء، كانت تذهب مع أمين لممارسة الجنس في إحدى الشقق في أحد المناطق المشبوهة… ؛ كان أمين يركض خلفها ويمازحها ويشعرها بالحنان، وأحيانًا يرفعها عن الأرض بحركات رياضية وبهلوانية تضفي على الأجواء رومانسية مضاعفة، مما جعلها لا تشعر بمغبة ما تقوم به، بحيث تعطَّلت قدراتها العقلية وتمدَّدت عواطفها على حساب عقلها…
بعد ثلاثة أشهر كاملة، قضى أمين وطره منها وشبع، وصار يبحث عن ضحية جديدة كعادته … ؛ ثم أغلق أمين هاتفه الوهمي واختفى وكأنه “فص ملح وذاب”، ولم يعد له أثر…!!
قامت شهد وأم ميادة بنفس الدور السابق، ودارت عليهما نفس الأسطوانة المشروخة… ؛ لكنها هذه المرة اختلفت اختلافًا جذريًا… ؛ إذ صرخت أشواق في وجه شهد وضربت أم ميادة، وتعالَت الأصوات… ؛ و قامت شهد بتهديدها… ؛ ثم خرجت أشواق من الصالون وبصقت في وجه شهد، ورجعت إلى البيت لتصبَّ جام غضبها على فاطمة …!!
هربت فاطمة منها ونزلت من الطابق العلوي إلى الشارع… ؛ و ركضت خلفها أشواق… ؛ ثم دخلت فاطمة إلى محل البقالة القريب من العمارة السكنية، وطلبت من صاحب المحل الحماية… ؛ لكن أشواق هدَّدت صاحب المحل وأجبرته على إرجاع أختها إليها…
أخذت فاطمة وهي تجرُّها إلى الشقة كالأسيرة… ؛ ثم قامت أشواق بحبس فاطمة في إحدى غرف الشقة… ؛ و عندما اعترض محمد على ذلك، ردَّت عليه أشواق بأن فاطمة تريد الهرب من الشقة وتريد أن تجلب لهم العار… ؛ اقتنع محمد بما قالته أشواق… ؛ و بقيت فاطمة حبيسة الغرفة لمدة شهر كامل…
خلال هذه الفترة، كانت أشواق تُخرج فاطمة إلى الحمام مرة واحدة فقط في اليوم، ولا تعطيها سوى وجبة واحدة من الطعام… ؛ عندما كانت فاطمة تعترض أو تصرخ، كانت أشواق تضربها ضربًا مبرحًا ( بالصوندة) حتى يحمرَّ ثم يزرقَّ جلدها الرقيق …
بعد شهرين، نَفدت أموال أشواق، وصرفت كل النقود التي ادَّخرتها سابقًا… ؛ ثم صارت تنزل من الصباح ولا تعود إلى البيت إلا عندما يأتي المساء، تتجوَّل في الشوارع والأسواق والمحلات لممارسة الجنس مع هذا أو ذاك لقاء مبلغ من المال…!!
نعم، قد تحوَّلت أشواق إلى بائعة هوى… ؛ فالمرأة لا تتحمل أكثر من صدمتين… ؛ فالبعض ممن خَبِر أحوال النساء ذهب إلى أن الحب الثاني يجبر كسر الحب الأول الفاشل، لكن فشل الحب الثاني يُفضي إلى الدعارة والاستهتار والإباحية أحيانًا …!!
أصبحت أشواق لا تحترم القيم والأخلاق كما كانت، وأمسى هاتفها النقال لا يهدأ من كثرة الاتصالات… ؛ كانت فاطمة المتدينة تسمع ما يدور بين أشواق وزبائنها الفاسدين … .
لم تطق فاطمة هذا السجن وهذه الإهانات والقيام بكل هذه الأعباء والمسؤوليات المنزلية… ؛ و هربت من الشقة من خلال شباك الغرفة و(بلكونة) الشقة… ؛ و سقطت على السقف الحديدي لأحد المحلات الموجودة في العمارة نفسها، ومنه هبطت إلى أرضية الشارع، مما تسبب لها في عدة رضوض وأوجاع…
ثم جرت مسرعة وطرقت باب بيت الشيخ الملاصق للعمارة… ؛ و كان الشيخ نائمًا بسبب العلاج الذي يتناوله ويسبب له النعاس والنوم…
فتحت زوجة الشيخ الباب… ؛ دخلت فاطمة مسرعة إلى الدار، وناشدت زوجة الشيخ بكل المقدسات، وأقسمت عليها بكل عزيز أن تحميها ولا تسلمها إلى أختها..
وقالت: (( خالة، أنا دخيلة عندكم… , خالة، عليك الله لا تعوفيني ))
وجاءت وراءها أشواق وطرقت الباب… ؛ ثم خرجت لها زوجة الشيخ …
وقالت لها: “إن أختك دخيلة عندنا، وهي مريضة وخائفة وهزيلة، ونحن ما نسلِّمها أبدًا”…
ردت عليها أشواق قائلة: “هي أختي وأنا أولى بها منك… , وأبي وأمي بانتظارها… , وإذا ما جاءت أختي معي الآن، سأشتكي عليكم في مركز الشرطة، وسأقول إنكم خطفتم أختي”…
خافت زوجة الشيخ من الشرطة ومن تداعيات التدخلات العشائرية، وهي تعلم أن زوجها مريض ولا يستطيع النهوض من فراشه بسبب إصابته بمرض السرطان…؛ فقامت زوجة الشيخ بتسليم فاطمة إلى أشواق…
وفاطمة تبكي وتناشدها قائلة: “خالة، هاي والله كذابة. أنا يتيمة، وأمي وأبوَي في التراب، وما حد إلي. خالة، هاي والله تموتني راح وتعذبني… , خالة، دخيلك”.
التفتت زوجة الشيخ إلى أشواق وهي تذرف الدموع لحالة فاطمة المأساوية، وقالت لها: ((حين يقوم زوجي الشيخ، سنجيء إليكم ونرى البنية ونطمئن عليها، لأن وضعك معها غير صحيح”… ؛ ردت عليها أشواق: “تعالي وشوفي بعينك …)) .”
عندما رجعت أشواق إلى الشقة، اتصلت على الفور بأحد معارفها وطلبت منه إيجاد شقة لها على الفور… ؛ ثم اتصلت بأخيها محمد وطلبت منه المجيء لإعداد وترتيب أثاث البيت وتحضيره للنقل… ؛ و تمَّ لأشواق ما أرادت… ؛ و انتقلت إلى منطقة أخرى بعيدة، وسكنت في عمارة جديدة… ؛ و في اليوم التالي، عندما سمع الشيخ القصة من زوجته، اتصل بأهله وإخوته وأخبرهم بأمر الدخيلة الهاربة… ؛ و ذهبوا إلى الشقة فلم يجدوا فيها أحدًا، وعادوا أدراجهم…
بعد يومين من العمل المضني والشاق، تعرَّضت فاطمة للضرب الشديد من قبل أشواق… ؛ ثم قامت أشواق بإحراق يد فاطمة بقطعة حديد مُحمَّاة على النار… ؛ صرخت فاطمة من شدَّة الألم… ؛ و هددتها أشواق بأنها إذا هربت من الشقة مرة أخرى، فسوف تقتلها وتتخلَّص منها، ولا أحد يعلم بذلك أو يأبه لاختفائك …!!
في اليوم التالي، خرجت أشواق كالعادة… ؛ و ذهبت فاطمة إلى برميل النفط، وفكرت مليًّا قبل الإقدام… ؛ تصارعت الأفكار وتضاربت العواطف في داخلها، وعصفت بها الذكريات السريعة المؤلمة… ؛ وكأن أحدهم يهمس في أذنها اليسرى ويقول: “إن الكثير من المشاكل العويصة والابتلاءات المستمرة لا حلَّ لها سوى الموت… ؛ والموت رحمة بالنسبة للكثير من الناس… ؛ وربك أعلم بعباده، وهو غفور رحيم. فأقدِمي على الموت ولا تخافي”…!!
بينما يهمس الآخر في أذنها اليمنى قائلاً: “إياك ثم إياك من إحراق نفسك في النار… , فمن يقتل نفسه يُخلَّد في النار الأبدية… , واصبري، فكل شدة وراءها فرَج”.
ثم همس الأول في أذنها اليسرى قائلاً: “إن الله أرحم من أن يعذبك بالنار مرتين، وأكرم من أن ينتقم من بنت مسكينة مثلك… , وما هي إلا لحظات وتلتحقي بالملأ الأعلى حيث ينتظرك أبوك وأمك وأحباب بعمرك ينتظرونك كي يلعبوا معك… ؛ وقد أعدُّوا لك الكثير من الألعاب التي حُرِمتِ منها في هذه الحياة البائسة”.
ثم تدخل الثاني وهمس في أذنها اليمنى قائلاً: “لا تصدِّقي كلامه، فهو الذي ورَّط أختك من قبل، وها هو يحاول توريطك أنت الأخرى… ؛ ولا تغتري بزخرف القول… , وما بلاء الدنيا إلا كسحاب الصيف سرعان ما ينجلي… , فاصبري، إن وعد الله حق”.
فقال لها الأول هامسًا في أذنها اليسرى: “الكثير من البؤساء والمعذَّبين سمعوا هذا الكلام وأكثر منه، ولم يزدهم إلا عذابًا وشقاء… ؛ وأغلب مصائب هذه الحياة لا تُحل بالكلام والمواعظ… , بل لعل المواعظ مقترنة بالظروف السيئة، لذا لا يحتاج إليها الأغنياء والأقوياء والأصحاء والسعداء”.
ثم صرخ الثاني بها قائلاً: “لا تصدِّقيه، فهو يخلط الحق بالباطل والصدق بالكذب”.
عندها صرخت فاطمة قائلة: كفى … , فكلاكما كاذبان …!!
سكبت النفط على جسدها من رأسها وشعرها إلى أخمص قدمها، ثم أشعلت عود الثقاب… ؛ و تحوَّلت فاطمة إلى جثة متفحمة… ؛ شعر الجيران بالرائحة وسمعوا الصراخ، فكسروا باب الشقة ودخلوا، وشاهدوا فاطمة على هذه الحال …
عندما رجعت أشواق، وجدت الجيران مجتمعين والشرطة هناك… , في هذه الأثناء، جاء محمد… ؛ عندما علم بالحادث، ذهب إلى المطبخ مسرعًا ورجع ومعه سكين حادة… ؛ انقض على أشواق وطعنها عدة طعنات أودت بحياتها … ؛ فذهبت فاطمة وأشواق إلى مقابر الأموات، بينما ذهب محمد بمعية الشرطة إلى مقابر الأحياء…!!