صباح البغدادي
*تحليق إسرائيلي فوق تشييع نصرالله : وداع لدفن سردية المقاومة.
*طائرات إسرائيل تودّع نصرالله : نهاية أسطورة المقاومة والمواجهة.
*من سماء بيروت إلى ترابها : انهيار رواية المقاومة والمواجهة مع تشييع الأمين العام.
* مهرجان استعراض إسرائيلي يرافق جنازة نصرالله : دفن معها شعارات الحزب العقائدية.
*تحليق الطائرات يعلنها: سقوط سردية حزب الله مع نصرالله.
دفن نصرالله ونهاية مرحلة انهيار سردية “الهلال الشيعي” في يوم الأحد، 23 شباط 2025، لم يُدفن حسن نصرالله، الأمين العام لحزب الله، وحده تحت التراب، بل دُفنت معه مرحلة بأكملها، مرحلة امتدت عقوداً وانتهت سرديتها نهائياً. لم يكن الدفن مقتصراً على حزب الله كتنظيم، بل شمل انهيار مشروع “الهلال الشيعي” الإيراني، بكل ما حمله من استقواء بالسلاح، واستباحة للدم اللبناني والسوري، وطموحات توسعية تجاوزت حدود الدولة اللبنانية نحو أحلام إعادة إمبراطورية تلاشت كالحلم في لحظةٍ فارقة .
اللافت أن أول من أعلن نهاية هذه المرحلة كان حزب الله نفسه، عبر خطاب نعيم قاسم، الأمين العام الجديد، الذي بدا كإقرار ضمني بتحول جذري في مسار التنظيم. وجاء تأكيد هذا التحول كذلك من قبل رئيس الجمهورية عون، الذي استقبل وفداً إيرانياً وخاطبهم بكلام صريح وواضح وصدمة بانت على وجوه الوفد ، قائلاً: “لبنان تعب من حروب الآخرين على أرضه، وأفضل مواجهة لأي خسارة أو عدوان هي وحدة اللبنانيين”. لم يكتفِ عون بهذا التصريح المفاجئ ، بل أعاد توجيه البوصلة السياسية أمام الوفد الإيراني، ومؤيداً بالوقت نفسه مخرجات قمة الرياض، ومذكّراً الجميع في خطابه بأن :” لبنان دفع ثمناً باهظاً دفاعاً عن القضية الفلسطينية” وهي كذلك كانت إشارة واضحة إلى رفض استمرار استنزاف الوطن لصالح أجندات خارجية ومصالح دول اجنبية على حساب المصلحة اللنانية.
هذا الموقف الجريء أعاد لقصر بعبدا هيبته الغائبة منذ زمن طويل، بعد سنوات اتسمت فيها تصريحات بعض الرؤساء بالمواربة والتردد، بل وحتى الخوف الذي كان يتسرب عبر نبرات أصواتهم. كلام الرئيس عون لم يترك مجالاً للتأويل، معلناً عودة صورة رمزية الرئاسة كصوت لجميع للبنانيين ، لا كأداة في يد أطراف إقليمية.
مع التشييع دفنت الأوهام وولادة مرحلة جديدة ومن يرفض رؤية هذه الحقيقة الساطعة كالشمس في وضح النهار، ويختار طوعاً العيش في حالة إنكار، ومتشبثاً بأوهام زائفة لن تتحقق . عليه ان يراجع نفسه لان حزب الله، الذي أنفق مليارات الدولارات على مدى عقود، وبنى بيتاً أوهن من بيت العنكبوت، واجه خسائر بشرية ومادية هائلة دون مقابل يُذكر. شعاراته التي لطالما رفعها عالياً تبددت كالرماد في يوم عاصف، تجلى ذلك بوضوح في مشهد تشييع نصرالله، حيث بدا الحدث كمراسم وداع ليس لشخص فحسب، بل لمشروع بأكمله.
لكن السؤال المحوري اليوم هو: ما الذي ينتظر لبنان في المرحلة المقبلة؟ ملامحها ما زالت ضبابية، وقد يتجه الحزب إلى توجيه سلاحه نحو الداخل اللبناني في محاولة لاستعادة نفوذه المفقود. أمام الدولة اللبنانية اليوم فرصة تاريخية لإعادة تشكيل المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فهل ستتمكن من استثمار هذا التحول لاستعادة سيادتها وإنقاذ ما تبقى من كيانها؟
وفي المقابل إسرائيل تؤكد حضورها برسالة من سماء لبنان وفوق مكان التشييع حيث لم تكتفِ بمراقبة مراسم التشييع من بعيد، ومن على شساشات التلفزة , بل شاركت أيضآ بطريقتها الخاصة، حيث أرسلت رسالة مباشرة وصاخبة عبر تحليق طائراتها الحربية على علو منخفض فوق العاصمة بيروت والملعب البلدي أثناء الجنازة. لم يكن هذا التحليق مجرد استعراض عسكري، بل رسالة استراتيجية واضحة للداخل والخارج اللبناني مفادها بأن : إسرائيل تتمتع بحرية الحركة في الأجواء اللبنانية، وقادرة على استهداف أي هدف في أي لحظة تشاء.
هذا المشهد التراجيدي العنفواني اختزل وكشف لنا عن جدلية رمزية بين الطرفين : من جهة، حاولت الجماهير المشاركة في التشييع تأكيد استمرار الحاضنة الشعبية للحزب، ومن جهة أخرى، ردت إسرائيل بتأكيد قدرتها على اختراق هذا الحضور وتهديده. لكن الواقع على الأرض يشير إلى أن مراسم التشييع لم تكن سوى اللحظة التي دُفنت فيها سردية “المقاومة” و”المواجهة العسكرية” مع إسرائيل، تاركةً لبنان أمام تحدٍ جديد: إعادة تعريف هويته الوطنية بعيداً عن أوهام واحلام الماضي.