80e7ee4e-e8d6-434e-82ea-f30cbb58ccc4

العودة من دوائر الظلام 

رياض سعد

عدتُ إلى الأرض مرة أخرى، لكنني لم أكن أعرف من أين جئت… ؛ ربما كنتُ قد قطعتُ مسافاتٍ لا تُحصى، عبرَ مجرّاتٍ تذوب فيها الأزمنةُ مثل الشمع تحت لهبٍ أسود… ؛  سقطتُ من الأعالي، من مكانٍ لا شكل له، ولا لون، ولا صوت… ؛  كان سقوطي أشبه بانكسار حلمٍ في منتصفه، ثمّ صحوتُ على أرضٍ غريبة، بلا ذاكرة، بلا اسم. 

كان جسدي يتذكر ما نسيه عقلي… ؛  كلما نظرتُ إلى الأعلى، اختنقتُ برعبٍ غامض، وكأن السماء كانت تهددني بالسقوط مرة أخرى… ؛  تعلمتُ الخوف من المرتفعات، كما تعلّم طفلٌ مشقوق الشفتين البكاءَ من الألم… ؛  انضممتُ إلى قبيلةٍ بدائية … ؛ نحنُ الذين نعيش على صيد الوحوش، نلاحقها بأسلحةٍ من حجرٍ وعظم… ؛  النارُ كانت لغزنا الأعظم، نطهو عليها لحومَ الضواري، ونشوي جذورَ الأرض السوداء. 

لكنّ الحربَ جاءتْ كالريح العاتية… ؛  لم نعد نصطادُ الحيوانات فقط، بل صرنا نصطادُ أشباهنا من بني البشر … ؛  رأيتُ الجثثَ الأولى تسقطُ مثل ثمارٍ مسمومة… ؛ لم يأكلها أحدٌ منّا، ولم نجرؤ على لمسها… ؛  كانت تبقى حيث سقطت، تنتفخُ تحت الشمس، ثم تذبلُ كأوراق الخريف… ؛ الديدانُ تنسجُ فيها بيوتها، والذئابُ والوحوش تمزقُ أحشاءها بلا خوف. 

ذات يوم، لم أتحملُ الرائحة… ؛ و حفرتُ حفرةً بيدي المرتعشتين، ودفنتُ جثةَ صديقٍ كان يضحكُ معي قبل أيام… ؛  لم أفهم لماذا فعلتُ ذلك… ؛  ربما كان في أعماقي شيءٌ يخافُ من العفن، شيءٌ يذكرنيُ أنني لست وحشا وصديقي ليس جيفة حيوانية بل جثة بشرية . 

لكنّ شيئاً فيّ تغير… ؛ اذ لم أعدُ أركضُ خلف الغزلانِ فقط، بل صرتُ أطاردُ البشرَ من القبائل الأخرى… ؛  كان الدمُ يُسكرني، والصراخُ يُدوّي في أذنيّ كأنه موسيقى قديمة… ؛ في إحدى المعارك، ضربني أحدهم على رأسي بحجرٍ كبير… ؛  فسمعتُ صوتَ عظامي وهي تنكسر، ثمّ لم أعدْ أسمعُ شيئاً. 

سقطتُ بين الجثث… ؛ و دمي اختلط بدمائهم، وصار من الصعب تمييزي عن الموتى… ؛  لكنّ شيئاً غريباً حدث… ؛ فقد رأيتُ كائناتٍ من نورٍ تحومُ حولي، تلمسُ جروحي بأيدٍ باردة جميلة ناعمة كالحرير ,  حملتني إلى الأعلى، إلى حيثُ تتلألأ المجرّاتُ كبلوراتٍ معلقةٍ في فراغٍ لا نهاية له… ؛ و طاروا بي بعيداً، حتى وصلنا إلى منطقةٍ مظلمةٍ وساكنة، كأنها قاعُ الكون… ؛ و هناك، توقفتُ عن الشعور… ؛ و تجمدتُ كقطعةِ جليدٍ في ظلامٍ أبدي. 

ملايين السنين مرتْ، وأنا عالقٌ في هذا الصمت السرمدي الابدي … ؛ حيث لا ذكريات، و لا أحاسيس، فقط انتظار… ؛  انتظارُ الدور الثالث او الكرة الثالثة … ؛ حين يأتي النورُ مرة أخرى، وأعودُ إلى الأرضِ من جديد، لأبدأَ اللعبةَ من حيثُ انتهيتُ... .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *