الكاتب : د. فاضل حسن شريف
—————————————
عن تفسير الميسر: قوله تبارك وتعالى “وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ” ﴿الأعراف 159﴾ أمة اسم، ومِن بني إسرائيل من قوم موسى جماعة يستقيمون على الحق، يهدون الناس به، ويعدلون به في الحكم في قضاياهم.
جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله عز وعلا “وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ” ﴿الأعراف 181﴾ أخبر سبحانه من جملة من خلقه جماعة وعصبة، يدعون الناس إلى توحيد الله تعالى، وإلى دينه، وهو الحق يرشدونهم إليه “وبه يعدلون” أي: وبالحق يحكمون. وروى ابن جريج، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (هي لأمتي بالحق يأخذون، وبالحق يعطون. وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها، “ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون”. وقال الربيع بن أنس: قرأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية، فقال: إن من أمتي قوما على الحق، حتى ينزل عيسى بن مريم. وروى العياشي بإسناده عن أمير المؤمنين علي عليه السلام، أنه قال: (والذي نفسي بيده، لتفترقن هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار، إلا فرقة واحدة “وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون” فهذه التي تنجو) وروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله عليهما السلام أنهما قالا: (نحن هم).
وعن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله عز وعلا “وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ” (الأعراف 181) قد مر بعض ما يتعلق به من الكلام في قوله تعالى: “ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون” الآية 159 من السورة وتختص هذه الآية بأنها لوقوعها في سياق تقسيم الناس إلى ضال ومهتد، وبيان أن الملاك في ذلك دعاؤه سبحانه بأحسن الأسماء اللائقة بحضرته والإلحاد في أسمائه، تدل على أن النوع الإنساني يتضمن طائفة قليلة أو كثيرة مهتدية حقيقة إذ الكلام في الاهتداء والضلال الحقيقيين المستندين إلى صنع الله، ومن يهدي الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون، والاهتداء الحقيقي لا يكون إلا عن هداية حقيقية، وهي التي لله سبحانه، وقد تقدم في قوله تعالى: “فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين” (الأنعام 89)، وغيره أن الهداية الحقيقية الإلهية لا تتخلف عن مقتضاها بوجه وتوجب العصمة من الضلال، كما أن الترديد الواقع في قوله تعالى: “أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى” (يونس 35). يدل على أن من يهدي إلى الحق يجب أن لا يكون مهتديا بغيره إلا بالله فافهم ذلك. وعلى هذا فإسناد الهداية إلى هذه الأمة لا يخلو عن الدلالة على مصونيتهم من الضلال واعتصامهم بالله من الزيغ إما بكون جميع هؤلاء المشار إليهم بقوله: “أمة يهدون بالحق” متصفين بهذه العصمة والصيانة كالأنبياء والأوصياء، وإما بكون بعض هذه الأمة كذلك وتوصيف الكل بوصف البعض نظير قوله تعالى: “ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة” (الجاثية 16)، وقوله: “وجعلكم ملوكا” (المائدة 20)، وقوله: “لتكونوا شهداء على الناس” (البقرة 143)، وإنما المتصف بهذه المزايا بعضهم دون الجميع. والمراد بالآية والله أعلم أنا لا نأمركم بأمر غير واقع أو خارج عن طوق البشر فإن ممن خلقنا أمة متلبسة بالاهتداء الحقيقي هادين بالحق لأن الله كرمهم بهدايته الخاصة.
جاء في كتاب الصلاة للسيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر قدس سره: الرسالة لها عدة مستويات، كلُّها معنونةٌ بعنوان الإسلام، فالرسالة الظاهرية هي من أجل الإسلام الظاهريِّ الذي يحقن به الدم، ويصان به المال والفرج، ويتفق فيه المسلمون بشهادة التوحيد والرسالة والقرآن الكريم. والرسالة الأخرى هي دعوةٌ إلى الله سبحانه من أجل الإسلام الحقيقي، ومن درجات هذا الإسلام: التسليم والرضا بكلِّ ما قضى الله وقدر، ومن درجاته إيكال التدبير والفعل في الخلق كلِّه لله عزَّ وجل. قال الله تعالى: “وممَنْ خَلَقنَا أُمّةٌ يَهدُونَ بالحَقِّ وَبهِ يَعدِلُونَ” (الاعراف 181) إلى غير ذلك من الآيات الكريمات.
جاء في موقع مؤسسة تراث الشهيد محمد بافر الحكيم عن مفهوم الامة في السياق القرآني للدكتور محمد جعفر العارضي: ومما تقدم نصير مع السيد محمد باقر الحكيم (قدس سره) الى أنَّ القرآن الكريم (حينما يؤكد هنا على مفهوم (الأُمَّة) يعبر بها عن الجماعة التي يشترك افرادها في التأريخ المعنوي (العقائدي و السلوكي) وكذلك يشترك ابناؤها في العقيدة و السلوك الاجتماعي القائم على هذه العقيدة)، فتظهر رابطة السلوك الاجتماعي العام متمثلا بالدعوة الى الخير و الامر بالمعروف و النهي عن المنكر، كما في قوله تعالى: “وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” (آل عمران 104). وقوله تعالى: “وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ” (الاعراف 181) وورد لفظ الامة في: (آل عمران 110-113)، (الاعراف 159). و تظل للفظة (الأُمَّة) دلالتها على (جماعة العلماء) في هذا السياق، فيكون العلم من مظاهر السلوك العام الذي تتبناه هذه الامَّة. ويظهر ايضا الأجل المعنوي، و(هو الاجل للعلاقات التي تربط بين هؤلاء الاشخاص عقائديا وسلوكيا، والتغييرات الرئيسة التي تحصل في الجوانب المعنوية للروابط والعلاقات السائدة في تلك الامم، حيث يترتب على هذه التغييرات العقائدية والسلوكية التغييرات الاجتماعية). ومن ذلك قوله تعالى: “وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ” (الاعراف 34) وورد لفظ الامة في: (المائدة 66)، (الانعام 108)، (الاعراف 34-38)، (الأعراف 164)، يونس 49، (الرعد 30)، (الحجر 5) (المؤمنون 43-44)، (الحج: 34-67). و هنا اشارة لطيفة من السيد محمد باقر الحكيم قدس سره الى أنَّ (ما يصدر من الناس من اعمال سلوكية و اجتماعية، و ما يقومون به من نشاطات فكرية و معنوية صالحة او طالحة يؤثر بشكل مباشر في حركة التأريخ و الاوضاع الاجتماعية للناس و في تحديد عمر هذه الامَّة او تلك). و لا شك أنَّنا بازاء عمر قيمي و اخلاقي لهذه الامَّة او تلك، فضلا عن العمر التأريخي. وفي التفاتة رائعة من السيد محمد باقر الحكيم (قدس سره) تأتي مسألة الفروق الدلالية التي تنم عن ذائقة لغوية و مقدرة عالية يتمتع بها في التماس المعنى و التحليل الدلالي السياقي، ولا سيما التفريق بين لفظتي (الأمَّة) و (القوم)، إذ يلحظ أنَّ لفظة (قوم) تستعمل للدلالة على (الجماعة التي تكون الروابط فيما بينها روابط شعوبية ذات علاقة بالدم و التأريخ المادي و الارضي أمَّا (الأمَّة) فهي لفظة يراد منها بمعناها اللغوي مجرد الجماعة، و لكنَّها تطورت في الاستعمال القرآني فاصبحت كلمة تعني الجماعة التي ترتبط فيما بينها بالروابط الفكرية والعقائدية والسلوكية).