الإرث….قصة قصيرة

الكاتب : محمد جبر حسن
—————————————
الإرث
قصة قصيرة

لم تكن تلك مفاجأة.
الأب أعلنها منذ زمن بعيد، بنبرةٍ لم تحتمل التأويل:
– أنت وريثي.

قالها وهو ينظر في عينيّ ابنه الأكبر، كأنه يُسلّمه تاجًا غير مرئي، بينما كان الأخ الأصغر مركونًا في الظل، يراقب بصمت، يشعر بشيءٍ باردٍ يزحف إلى صدره.. لم يكن هذا الإحساس جديدًا عليه، فقد عاش دومًا على الهامش دون أن ينتبه له أحد.

لم يحتج الأب إلى تفسير ما قاله، فهذه الغرفة وحدها كانت كفيلة بتوضيح كل شيء.
على الطاولة صحف قديمة تحمل مقالاته مرتبة بعناية، بعضها محفوظ في ملفات جلدية، وبعضها الآخر مصفوف حسب تواريخ نشرها. المخطوطات التي تركها لم تُترك للغبار، بل هناك آثار يدٍ قلبت صفحاتها مرارًا، وكتبت ملاحظات على الهوامش بخط حديث.. الرسائل التي أرسلها قرّاؤه لم تُترك كما وصلت، بل قُرئت وأُعيد ترتيبها في صندوق خشبي صغير بجانب المكتب.
هناك أيضًا رائحة كتب قديمة، وصورته المعلقة المُعلقة فوق الرفوف وملاحظاته المتناثرة بين دفاتر صفراء لم تكن إلّا نبوءة مكتوبة بخط يده، تنبئ بأن اسمه سيظل حيًّا، لكنه لن يعيش إلّا في ذات واحدة: شخصية الابن الأكبر.

كان طبيعيًا إذًا أن يشعر الأخ الأصغر بالخذلان، لكنه لم يُدرك أن المسألة لم تكن تفضيلًا.. والأب هنا ليس ظالمًا، أو ينحاز لأحد دون الآخر، بل يرى في الأكبر امتداده الأدبي، الصورة الأقرب إليه، الكتف التي يمكن أن تحمل أعباء الإرث الثقيل.
فالإرث ليس كلمات تُقال، بل ثقل يُلقى على كاهل من يستطيع حمله.

و في ذات الوقت يرى في الأصغر شيئًا مختلفًا، طاقةً من نوع آخر، لم يرد له أن يكون مجرد ظلٍّ لأخيه، ولا أن يعيش مكبَّلًا بتوقعات لا تناسبه.
كان يهيئ له مجالًا آخر، أرضًا أخرى ليغرس فيها جذوره ومواهبه. لم يخبره بذلك، ربما لأنه يؤمن بأن لكل إنسان رحلته الخاصة، وأن بعض الطرق لا تُرسم، بل تُكتشف.

لكن الأب رحل فجأة، تاركًا خلفه صمتًا كثيفًا لم يوضح فيه فكرته أو يقسّم رؤيته بين أبنائه..
وما كان من الأولاد إلّا أن التزموا الصمت بعده.

الصمت هذه المرة ليس حزنًا فقط، بل شيئًا أعمق، كأنه فراغ يتمدد في صدر الصغير، كأن كل الأسئلة التي طالما هرب منها عادت لتطارده فجأة.
والحال كذلك لدى أخيه، الذي لم يجد ما يبرر به صمت الأب، أو اختياراته.

جلسا في الغرفة نفسها، إلى الطاولة ذاتها، لكن شيئًا ما قد تغيّر..
لم يعد هناك من يُحدّد الأقدار، لم يعد هناك من يوزّع الأدوار.
كان عليهما أن يواجها ما لم يقولا لبعضهما من قبل.

– أنت تملك كل شيء.

نطق بها الصغير بصوت ثابت، بينما كانت أنامله ترتجف.

رفع الأكبر حاجبيه، كأن هذه الكلمات تصله لأول مرة.
– ماذا تعني؟
– أعني أن كل شيء هنا.. لك.. اسم العائلة، إرث والدنا الأدبي، حتى أنه بخَلَ عليَّ بنظراته.. لم يلتفت إليَّ يومًا كما يفعل معك.

كان يتوقع نفيًا، أو تبريرًا، أو أي ردّ، لكن الأخ الأكبر لم يدافع، ولم يبرّئ نفسه، بل ابتسم بهدوء، كأنه يدرك أكثر مما يُقال.
– لماذا أنت؟ لماذا لم يخترني أنا؟

كانت المرة الأولى التي ينطق فيها بهذا السؤال.. سؤالٌ فكّر فيه ألف مرة، لكنه لم يجرؤ على إطلاقه إلّا الآن..

نهض الأخ الأكبر، اقترب منه ببطء، وضع يده على كتفه وقال:
– أخي.. حبيبي.. أتظن أن الإرث الأدبي يُمنح؟

هزّ الصغير رأسه بعصبية:
– خلص.. لا أريد أن أسمع فلسفة فارغة.. أبي اختارك وانتهى الأمر.

ضحك الأكبر ضحكة خفيفة، لكنها حملت شيئًا غامضًا، ثم قال:
– نعم، أبي منحني الكلمات، لكنه لم يمنحني نفسي.. ظننتُ أني كنت محظوظًا، لكنني الآن أفكّر.. ربما كنتُ أنا السجين وأنت مَن نجا.

حدّق فيه طويلًا، كأنه يراه لأول مرة، لم يتخيل يومًا أن الإرث قد يكون عبئًا، أن حمله قد يكون قيدًا أكثر منه امتيازًا.

مشى إلى مكتبة الأب، سحب أحد دفاتره القديمة، قلّب صفحاته بعشوائية، ثم رفع عينيه وسأل:
– وماذا لو سرقتُ وصيته؟
ماذا لو جعلتُ نفسي الوريث بدلاً عنك؟

لم يُظهر الأكبر دهشة، بل قال بهدوء فيه شيء من التحدي:
– نعم، تستطيع أن تسرق الكتب.. لكنك لن تسرق ما يخطه القلم.

في تلك الليلة، جلس الصغير أمام الطاولة، ممسكًا بقلم أبيه.
شعر لوهلة أن أصابعه ترتجف، حاول أن يكتب، لكن الصفحة البيضاء ظلت فارغة، كأنها تتحدّاه، كأنها تقول له:
“اترك هذا الأمر.. لستَ مستحقًا بعد.”

ضغط بالقلم حتى تشقق الورق تحت يده.
لم يكن الغضب وحده يعصف به، بل شيء غامض، كأنه يواجه كيانًا أكبر منه، شيئًا لا يستطيع إدراكه تمامًا.
تذكّر كلمات أخيه..
لم يكن بحاجة إلى إرث لا ينتمي إليه.
كان عليه أن يصنع ميراثه الخاص.

توقّف..
تطلّع إلى الصفحة، وتسلل إليه شيء خفيف، كما لو أن نسمة غامضة لامست روحه.
أخذ نفسًا عميقًا، وسحب القلم من يده.
برشاقة، رسم خطًا واحدًا على الصفحة البيضاء، طويلًا وأنيقًا، وأتبعَه بكلمة واحدة:

لقد حان وقت بداية جديدة.

انتهت.

2 thoughts on “الإرث….قصة قصيرة

  1. شكرًا من القلب لمساعيكم الطيبة في نشر الأدب والثقافة العراقية في موقعكم الرصين ..

    1. اهلا وسهلا بك وبكل الكتاب والنفاد والادباء والشعراء والاعلاميين في موقعكم موقع صوت الامة العراقية … هذا واجبنا تجاه ابداعاتكم ولنا الشرف في ايصال ابداعاتكم الفكرية والثقافية والادبية الى المتابعين والقراء

اترك رداً على iraq nation إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *