صباح البغدادي
من خلال تواصبنا المباشر مع عدد من السادة المسؤولين الافاضل في داخل العراق الجريح والمحتل من قبل احزاب قادة الاطار التنسيقي ومليشيات الحشد الشعبي والفصائل المسلحة الولائية وفي خضم الصراعات الإقليمية والتوترات السياسية، افاد لنا بعضهم ان هناك على المدى القريب وفي الايام القادمة سوف تبرز في العراق أصوات شخصيات سياسية، ورجال دين، وقادة فصائل موالية، تتحضر لإطلاق حملات تبرعات مكثفة لدعم إيران في إعادة إعمار ما دمرته الحرب الأخيرة مع إسرائيل. هذه المبادرات، التي تُروَّج تحت شعارات “التضامن” و”الواجب الأخلاقي” و ” نصرة بيضة الاسلام ” تثير تساؤلات حادة حول أولويات هؤلاء القادة، وتكشف عن تناقضات صارخة بين خطاباتهم الرنانة وواقع الشعب العراقي المنهك. وفي سياق هذا المقال، نناقش هذه الظاهرة بنبرة نقدية لاذعة للدعوة حول تبرعات لإيران فهل هي حقآ تعبر عن تضامن أم انها مجرد تبعية وخنوع لاسيادهم ؟
إيران، بكل تأكيد، تمتلك القدرة المالية والاقتصادية لإعادة بناء بنيتها التحتية المتضررة. فهي دولة نفطية تمتلك موارد ضخمة، وشبكة علاقات اقتصادية تمتد من الصين إلى روسيا، إضافة إلى خبراتها في إدارة الأزمات منذ عقود. فلماذا، إذن، يسارع بعض قادة العراق السياسيين ورجال الدين إلى إطلاق حملات تبرعات مادية وعينية لدعم إيران؟ الجواب يكمن في ذهنية تبعية متأصلة لدى هؤلاء، الذين يرون العراق كـ”محافظة إيرانية” تتحمل واجب تعويض الجارة الشرقية عن خسائرها، حتى لو كان ذلك على حساب شعب يعاني من الفقر والإهمال والتشرد والجوع والمرض.وهذه الحملات ليست مجرد فعل خيري، بل هي إعلان صريح عن الولاء السياسي لإيران، يتم على حساب المواطن العراقي. فبينما يُطالب هؤلاء القادة بالتبرع لإعادة إعمار منشآت إيرانية، يعاني العراق من انهيار في بنيته التحتية. مستشفيات العراق تفتقر إلى الأدوية والمعدات الطبية الأساسية، ومحطات الطاقة الكهربائية عاجزة عن توفير الكهرباء لساعات كافية، مما يدفع المواطنين إلى الاعتماد على المولدات الخاصة بتكاليف باهظة. أليس من الأولى أن تُوجَّه هذه التبرعات لإنقاذ العراقيين من هذا الواقع المزري؟
إطار التنسيق و الأولوية لإيرانية ولان الأمر لا يتوقف عند التبرعات. فهناك معلومات تشير إلى أن الحكومة العراقية، التي يسيطر عليها وزراء ومسؤولون تابعون لأحزاب الإطار التنسيقي، تستعد لفتح أبواب التجارة ومنح الأولوية للمؤسسات والوزارات الإيرانية في عقود المشاريع والاستيراد حتى ولو كانت مشاريع وهمية فقط موجودة على الورق كما كان يحدث سابقآ بعد عام 2003 والتي تم تخصيص مليارات الدنانيير لهذه المشاريع لبناء والتنمية والاعمار وكشفت بعدها انها كانت مجرد مشاريع وهمية لا وجود لها بالاصل وتم سرقة موازنة هذه المشاريع وتقاسمها بين احزاب السلطة ولان الهدف؟ تعويض إيران عن خسائرها المادية بعد الحرب. هذا التوجه ليس جديدًا، فقد سبق أن شهد العراق عقودًا تجارية وصفقات استيراد مع إيران، غالبًا ما تُبرم تحت ضغط سياسي، دون مراعاة مصلحة الاقتصاد العراقي وحتى خارج الضوابط والقوانيين ودون مراعات الشفافية والنزاهة والنوعية والجودة لهذه المشاريع المرتقبة التي سوف تنجهزا ايران لنا ؟.
هذه السياسات الغبية تعكس رؤية ضيقة لدى قادة الإطار التنسيقي، الذين يضعون مصالح إيران فوق مصالح العراق. ففي الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد العراقي من الفساد المالي والإداري، وتصل نسبة كبيرة من الشعب إلى خط الفقر أو دونه، يبدو أن هؤلاء القادة يرون في إيران “الأم الحنون” التي يجب تعويضها، بينما يتجاهلون صرخات شعبهم الذي يكافح من أجل لقمة العيش.
ومع كل هذا لنكن منصفين، التضامن مع الدول الشقيقة أو المتضررة ليس أمرًا مستهجنًا بحد ذاته. العراق، كجزء من المنظومة الإقليمية، قد يجد نفسه معنيًا بتقديم مساعدات إنسانية أو دعم رمزي في أوقات الأزمات. لكن هذا التضامن يجب أن يكون متوازنًا، ولا يتحول إلى عبء على شعب يعاني بالأساس. إيران، كما ذكرنا، ليست دولة فقيرة أوإن كانت تعاني من عقوبات، ولا تحتاج إلى تبرعات عشوائية ومبالغ فيها من العراق. بدلاً من ذلك، يمكن للعراق أن يقدم دعمًا دبلوماسيًا أو سياسيًا، أو حتى تقنيًا إذا لزم الأمر، دون التفريط بموارده الشحيحة.
على صعيد داخلي، يجب على هذه الشخصيات أن تعيد ترتيب أولوياتها. العراق بحاجة ماسة إلى قادة يركزون على محاربة الفساد، وإصلاح القطاع الصحي، وتطوير البنية التحتية. التبرع لمستشفى عراقي يفتقر إلى جهاز تصوير شعاعي، أو بناء محطة كهرباء تخفف معاناة المواطنين، هو أقرب إلى الواجب الوطني والديني من جمع التبرعات لدولة قادرة على إدارة أزمتها.
في النهاية، العراق ليس “محافظة إيرانية”، وليس ملزمًا بتعويض إيران عن خسائرها. الشعب العراقي، الذي وصل إلى حافة اليأس بسبب الفقر والفساد، يستحق قادةً يضعون مصالحه في المقدمة. إن الدعوة إلى التبرعات لإيران، في ظل هذا الواقع، ليست سوى حلقة أخرى في سلسلة التبعية التي تكل العراق منذ سنوات. فليترك هؤلاء القادة شعارات التضامن جانبًا، وليبدأوا بالتبرع لشعبهم، ليس بالمال فحسب، بل بالإخلاص والعمل من أجل إنقاذ بلد يستحق أكثر من أن يكون مجرد منفذ لتعويض الآخرين.