الكاتب : د. فاضل حسن شريف
—————————————
وردت كلمة اليهود في زمن الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم جاء في معاني القرآن الكريم: هود الهود: الرجوع برفق، ومنه: التهويد، وهو مشي كالدبيب، وصار الهود في التعارف التوبة. قال تعالى: “إنا هدنا إليك” (الأعراف 156) أي: تبنا، قال بعضهم: يهود في الأصل من قولهم: هدنا إليك، وكان اسم مدح، ثم صار بعد نسخ شريعتهم لازما لهم وإن لم يكن فيه معنى المدح، كما أن النصارى في الأصل من قوله: “من أنصاري إلى الله” (الصف 14) ثم صار لازما لهم بعد نسخ شريعتهم. ويقال: هاد فلأن: إذا تحرى طريقة اليهود في الدين، قال الله عز وجل: “إن الذين آمنوا والذين هادوا” (البقرة 62) والاسم العلم قد يتصور منه معنى ما يتعاطاه المسمى به. أي: المنسوب إليه، ثم يشتق منه. نحو: قولهم تفرعن فلان، وتطفل: إذا فعل فعل فرعون في الجور، وفعل طفيل في إتيان الدعوات من غير استدعاء، وتهود في مشيه: إذا مشى مشيا رفيقا تشبيها باليهود في حركتهم عند القراءة، وكذا: هود الرائض الدابة: سيرها برفق، وهود في الأصل جمع هائد. أي: تائب وهو اسم نبي عليه السلام.
جاء عن مركز الرصد العقائدي هل اليهود يعودون إلى بني إسرائيل أو هم بنو إسرائيل؟ للسيد رعد المرسومي: ثالثاً– معنى اليهود في اللغةِ العربيّة: في بعضِ معاجمِ اللغةِ العربيّة جاءَ معنى كلمةُ “اليهود” أنّهم بنو إسرائيل، مِن قومِ موسى عليهِ السَّلام ويُطلقُ عليهم العبرانيّونَ، من نسلِ إبراهيمَ عليهِ السَّلام، عاشوا في مصرَ فترةً من الزَّمنِ إضطهدَهم فرعونُ، وأنقذَهم موسى، وهذا المعنى يخلطُ بينَ بني إسرائيل، وبينَ اليهودِ مِن جهةٍ أخرى كونِ ما جاءَ في معنى اليَهُود هوَ: قومٌ مِن أَصلٍ ساميّ.وقيلَ إِنَّهم سُمُّوا كذلكَ باسمِ يهوذا أحدِ أبناءِ يعقوب. جاءَ في بعضِ التفاسيرِ: الهودُ: الرّجوعُ برفقٍ، ومنه: التهويدُ، وهوَ مشيٌ كالدبيبِ، وصارَ الهود في التعاريفِ التوبة. قالَ تعالى: “إنّا هُدنا إليك” (الأعراف 156) أي: تُبنا، قالَ بعضُهم: يهود في الأصلِ مِن قولِهم: هُدنا إليكَ، وكانَ إسمَ مدحٍ، ثمَّ صارَ بعدَ نسخِ شريعتِهم لازماً لهم وإن لم يكُن فيه معنى المدح، وتهوّدَ في مشيهِ: إذا مشى مشياً رفيقاً تشبيهاً باليهودِ في حركتِهم عندَ القراءة. وهذا التفسيرُ لا دخلَ له بما مررنا عليهِ سابقاً، حيثُ يخلطُ بينَ الهودِ واليهود، كما وأنّهُ بعيداً عن المعنى اللغوي المرتبطِ باليهود، فالمصدرُ العربي “هُدى” ومنهُ الفعلُ “هاد” أو “اهتدى” أو “هَدى” لا يقبلُ أن يكونَ إسمُ فاعلِه أو مفعولِه “يهودي” وإنّما “هادٍ” أو “مهتدٍ“، والجمعُ منهُ “هادون” أو مهتدون” وليسَ “اليهود“.
ورد بني اسرائيل في زمن موسى وعيسى عليهما السلام كما جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: و من أجل أن يظهر اللّه تعالى عنايته و لطفه لموسى أكثر، و كذلك منح الفرصة للمنحرفين للهداية أكثر، قال لموسى بأن معاجزه ليست منحصرة بالمعجزتين الأنفتين، بل “فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَ قَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ” (النمل 12). و يستفاد من ظاهر الآية أن هاتين المعجزتين من مجموع تسع معاجز”آيات” (النمل 12) موسى المعروفة، و قد استنتجنا ذلك من الآية (101) من سورة الإسراء، و إن المعاجز السبع الأخر هي: 1- الطوفان 2- الجراد 3- كثرة الضفادع 4- تبدل لون نهر النيل كلون الدم 5- الآفات في النباتات. و كل واحدة من هذه المعاجز الخمس تعدّ إنذارا لفرعون و قومه، فكانوا عند البلاء يلجأون إلى موسى ليرفع عنهم ذلك. أمّا المعجزتان الأخريان فهما 6- القحط”السنين” (الأعراف 130) 7- و نقص الثمرات. إذ أشارت إليهما الآية (130) من سورة الأعراف فقالت: “وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَ نَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ” (الأعراف 130) كما ورد في الآية (101) من سورة الإسراء”وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا” (الاسراء 101). و أخيرا تعبّأ موسى بأقوى سلاح من المعاجز فجاء إلى فرعون و قومه يدعوهم إلى الحق، كما يصرح القرآن بذلك في آيته التالية “فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ” (النمل 13). قوله تعالى “وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً (101) قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ بَصائِرَ وَ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً (102) فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَ مَنْ مَعَهُ جَمِيعاً (103) وَ قُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً (104)” (الاسراء 101-104) في البدء يقول تعالى: “وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ” (الاسراء 101). و لأجل التأكيد على الموضوع اسأل و الخطاب موّجه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بني إسرائيل (اليهود) أمام قومك المعارضين و المنكرين: “فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ” (الاسراء 101). تحدث القرآن الكريم عن قصّة موسى عليه السّلام و فرعون و بني إسرائيل اكثر من مائة مرّة. و خصوصية قصّة موسى عليه السّلام بالنسبة لقصص الأنبياء كشعيب و صالح و هود و لوط عليهم السّلام التي قرأناها في ما سبق هي انّ أولئك الأنبياء عليهم السّلام واجهوا الأقوام الضالين، لكن موسى عليه السّلام واجه اضافة الى ذلك حكومة (ديكتاتور) طاغ مستبدّ هو فرعون الجبار.
ويستطرد الشيخ مكارم الشيرازي في تفسيره الامثل قائلا:هذا و قد وقع بين المفسّرين كلام في أنّه هل كان لموسى عليه السلام ميقات واحد مع ربّه، أو أكثر من ميقات واحد؟ و قد أقام كل واحد منهم شواهد لإثبات مقصوده من القرآن الكريم، و لكنّه كما قلنا سابقا في ذيل الآية (142)”وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ” من هذه السورة أنّه يظهر من مجموع القرائن في القرآن الكريم و الرّوايات أن موسى عليه السلام كان له ميقات واحد، و ذلك برفقة جماعة من بني إسرائيل. ميقات واحد أو مواقيت متعددة؟ السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو: هل ذهب موسى إلى ميقات ربّه مرّة واحدة، و هي هذه الأربعون يوما، و تلقى أحكام التوراة و شريعته السماوية عن طريق الوحي في هذه الأربعين يوما، كما اصطحب معه جماعة من شخصيات بني إسرائيل معه كممثلين عن قومه، ليشهدوا نزول أحكام التوراة عليه، و ليفهمهم أن اللّه لا يدرك بالأبصار أبدا، في هذه الأربعين يوما نفسها؟ قوله تعالى “وَ لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ بَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَ قالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَ آتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَ آمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَ عَزَّرْتُمُوهُمْ وَ أَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ لَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ” (المائدة 12) التّفسير: لقد أشارت هذه الآية أوّلا إلى قضية الوفاء بالعهد، و قد تكررت هذه الإشارة في مناسبات مختلفة في آيات قرآنية عديدة، و ربّما كانت إحدى فلسفات هذا التأكيد المتكرر على أهمية الوفاء بالعهد و ذم نقضه.
يشير القرآن الكريم إلى رجلين أنعم اللّه عليهما بالإيمان و التقوى و الورع و شملهما بنعمه الكبيرة، فجمعا صفات الشجاعة و الشهامة و المقاومة مع الدرك الاجتماعي و العسكري ممّا دفعهما إلى الدفاع عن اقتراح النّبي موسى عليه السّلام فواجها بني إسرائيل بقولهما: ادخلوا عليهم من باب المدينة، و حين تدخلون عليهم سيواجهون الإمر الواقع فتكونون أنتم المنتصرون، تقول الآية الكريمة في هذا المجال: “قالَ رَجُلأنِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ” (المائدة 23). و تؤكد الآية- بعد ذلك على ضرورة الاعتماد على اللّه في كل خطوة من الخطوات، و الاستمداد من روح الإيمان بقوله تعالى: وَ عَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. و ما ذكره أغلب المفسّرين حول هوية هذين الرجلين هو أنّهما (يوشع بن نون) و (كالب بن يوحنا) و هما من النقباء الإثني عشر في بني إسرائيل، كما ورد سابقا. مع كل الاحتمالات العديدة الواردة في تفسير جملة “مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ” (المائدة 23) إلّا أنّ الواضح من ظاهر هذه الجملة، هو أنّ الرجلين المذكورين في الآية هما من جماعة تخاف اللّه و تخشاه وحده دون غيره، و يؤيد هذا التّفسير ما جاء في جملة “أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا” (المائدة 23) فأي نعمة أكبر و أرفع من أن يخاف الأنسان من اللّه وحده و لا يخشى أحدا سواه. و قد يسأل سائل في هذا المجال عن مصدر علم هذين الرجلين، و كيف أنّهما علما أن بني إسرائيل ستكون لهم الغلبة إن هم دخلوا المدينة أو الأرض المقدسة في هجوم مباغت؟ و جوابه: لعل علم هذين الرجلين بتلك الغلبة كان نابعا من ثقتهما بأقوال النّبي موسى عليه السّلام أو أنّهما اعتمدا على قاعدة كلية في الحروب، مفادها أن الجماعة المهاجمة إن استطاعت الوصول إلى مقر و مركز العدو أي تمكنت من محاربة العدو في داره فإنها سننتصر عليه عادة. و المستهدفون في تلك الحرب هم قوم المعالقة، و هم بسبب ما كانوا عليه من طول خارق، كان أسهل عليهم أن يحاربوا في بر أو فضاء مفتوح بدل الحرب في مدينة، فيها- بحسب العادة- الأزقة و الطرق الملتوبة (بغضّ النظر عن الجوانب الأسطورية التي تتحدث عن الطول الخارق لهؤلاء العمالقة)، أضف إلى ذلك كله أنّ العمالقة كما نقل كانوا على رغم قاماتهم الطويلة أناسا جبناء رعاديد، يرهبهم كل هجوم مباغت، و كل هذه الأسباب أصبحت دليلا قويا لدى الرجلين المذكورين ليقولا بحتمية انتصار بني إسرائيل.