أمين السكافي
هذه المقولة التي أُطلقت من فم أحدهم في وقت ما، كان القصد منها التبرير لأيّ شيء قد ينتهجه السياسي، إن أخطأ أو أصاب. فهنا، يُبرّر لنفسه أن هذا الاتفاق هو أفضل ما يمكن الوصول إليه في ظلّ الظروف الراهنة، وهو ما يُؤكّد أن ليس للسياسة ثوابت أو قيم أو قواعد، بل هي فنّ المستطاع.
وهذا، في حقيقته، رياءٌ بعينه؛ فلا يصحّ، لكي نجعل أمرًا مرفوضًا شعبيًا، أن نُزيّنه بهذه العبارة الخالية من المبادئ. وهي، إنما اختُرعت للكذب على الناس وعلى بعضنا البعض.
بعد هذا العمر من المتابعة للسياسة اليومية، سواء على صعيد الداخل اللبناني أو محيطنا العربي والإقليمي، أجد أن الأمر في لبنان طبيعي؛ فاللبناني بطبعه مُسيّس، أو بالأحرى “ممذهَب”، وهذه حقيقة الأمر.
ولكن، سنتحدث عن ذلك بتوسّع في مقالات لاحقة. القصد هنا، أن الشعب اللبناني بطبيعته متابع للسياسة، وللتحليلات السياسية، ولنجومها الذين يتنقلون بين شاشة وأخرى، وكأنهم يمتلكون مفاتيح الحقيقة على ألسنتهم. حتى أن اللبناني يهتم بأدق التفاصيل، وثورة المعلومات من خلال الإنترنت جعلت كل مواطن محلّلًا سياسيًا، أو خبيرًا دبلوماسيًا، أو اقتصاديًا، أو عسكريًا.
ولمن يريد أن يكون أحمد سعيد هذا العصر، فهنيئًا له. ولمن لا يعرف من هو أحمد سعيد، فهو كان المذيع في “صوت العرب” من القاهرة، والذي لعب دور الكاذب الأكبر خلال هزيمة عام 1967، حين هاجم الصهاينة ثلاث دول عربية، وتسببوا في تدمير بنيتها العسكرية واحتلال أراضيها، بينما بقي أحمد سعيد يُوهم الناس بأن قواتنا العربية تقف على أبواب القدس وتل أبيب!
وما ظهر لاحقًا أنه دجلٌ إعلاميّ، ونكبة سياسية، قضت على كل أحلامنا الوردية بسحق الكيان واسترجاع الأرض المسلوبة من جسد الأمة منذ عام 1948.
هذا التزاوج ما بين السياسة والإعلام هو من أكبر المصائب على الشعوب، وهو يُشبه، فيما يُشبه، سفاح القُربى؛ لأن السياسي هنا يبدأ بالكذب، والإعلام يُقدّمها للمشاهدين على أنها من الحقائق الثابتة. وهنا، يُصبح المواطن مجرد مُتلقي لهذه المعلومات، بغضّ النظر عن مدى صدقيتها، أو مدى الأباطيل التي تكتنفها.
وفي هذا، يلعب الإعلام المُضلّل الدور الأكبر في تظهير الفكرة، وجعلها مقبولة أو مرفوضة، بحسب ما يُطلب منه.
للأسف، السياسة في معظم بلداننا العربية أو الإسلامية هي نفاق وكذب ورياء، ولا أستثني بعض الدول الغربية، التي تكيل الحق والحقيقة بمكيالين.
أما الداخل اللبناني، فالسياسة فيه أضحت كالأحاجي والطلاسم، التي تحتاج لعلماء فلك أو مُنجّمين حتى يستطيعوا أن يفكّوا شيفرتها. وهنا، لا أستثني أحدًا من الأفرقاء؛ فكلهم كالوا لنا الوعود منذ عشرات السنين، وإلى الآن لم يُنفّذ منها شيء. ولذلك، أصبحت الكتابة في السياسة من الأمور المستحيلة لكل صاحب عقيدة أو فكر أو كلمة حرّة.
فإن أردتَ رضى الناس، عليك عندها أن تكذب، أو تُساير بكتاباتك ما يُسعد الآخرين. وإن تصدّرتَ فيما تكتب للحق، وكتبتَ ما تراه وتقتنع به، فعندها ستُتَّهم بتهم شنيعة، وتُصبح من المغضوب عليهم.
قناعتي، أن الناس، كل الناس، تعرف الحقيقة، وهي قادرة على تمييز الحقّ من الباطل. ولكن سياسة القطيع تجعل الناس تبتعد عن الحق والمنطق، وتتشدّق بما يُقال في بيئتها، وقد يكون ذلك رغم قناعتها الداخلية بعكس ما تُردّد.
وتُردّد فقط حتى لا تُصبح غريبة في محيطها. ولذلك، أصبحت كلمة الحقّ عملة نادرة ومكلفة في هذه الأيام. ورأيي، أن البشر يعلمون الحق، ويُظهرون خلافه؛ فهم ليسوا بحاجة لمن يدلّهم على الحقيقة، فهم لها عارفون، ولكن لا يمتلكون الشجاعة للتصريح بها.
وإلى حين يصدحون بالحقّ المكتوم، يخلق الله ما لا تعلمون