الكاتب : د. فاضل حسن شريف
—————————————
جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قال الله جل ثناؤه “قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ۚ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ ۗ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ” (يونس 35) يهدي للحق وإلى الحق بمعنى واحد فالهداية تتعدى بكلتا الحرفين، وقد ورد تعديتها باللام في مواضع كثيرة من كلامه تعالى كقوله: “أ ولم يهد لهم:” الم السجدة: – 26، وقوله: “يهدي للتي هي أقوم:” (الإسراء 9) إلى غير ذلك فما ذكره بعضهم من كون اللام في قوله: “يهدي للحق” للتعليل ليس بشيء. لقن سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم هذه الحجة وهي ثالثة الحجج، وهي حجة عقلية يعتمد عليها الخاصة من المؤمنين، وتوضيحها أن من المرتكز في الفطرة الإنسانية وبه يحكم عقله أن من الواجب على الإنسان أن يتبع الحق حتى إنه إن انحرف في شيء من أعماله عن الحق واتبع غيره لغلط أوشبهة أوهوى فإنما اتبعه لحسبانه إياه حقا والتباس الأمر عليه، ولذا يعتذر عنه بما يحسبه حقا فالحق واجب الاتباع على الإطلاق ومن غير قيد أوشرط. والهادي إلى الحق واجب اتباعه لما عنده من الحق، ومن الواجب ترجيحه على من لا يهدي إليه أويهدي إلى غيره لأن اتباع الهادي إلى الحق اتباع لنفس الحق الذي معه وجوب اتباعه ضروري. وقد اعتمد في الحجة على هذه المقدمة الضرورية فافتتح الكلام فيها بسؤالهم عن شركائهم هل فيهم من يهدي إلى الحق؟ ومن البين أن لا جواب للمشركين في ذلك مثبتا إذ شركاؤهم سواء أ كانوا جمادا غير ذي حياة كالأوثان والأصنام أم كانوا من الإحياء كالملائكة وأرباب الأنواع والجن والطواغيت من فرعون ونمرود وغيرهما لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا. وإذ لم يكن لهم في ذلك جواب مثبت فإنهم لا يجيبون، ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يخلفهم في الجواب فيجيب في ذلك – أعني الهداية إلى الحق – بإثباتها لله سبحانه فقيل: “قل الله يهدي للحق” فإن الله سبحانه هوالذي يهدي كل شيء إلى مقاصده التكوينية والأمور التي يحتاج إليها في بقائه كما في قوله: “ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى” (طه 50) وقوله الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى” (الأعلى 3) وهو الذي يهدي الإنسان إلى سعادة الحياة ويدعوه إلى الجنة والمغفرة بإذنه بإرسال الرسل وإنزال الكتب وتشريع الشرائع، وأمرهم ببث الدعوة الحقة الدينية بين الناس. وقد مر في تفسير قوله تعالى: “الحق من ربك فلا تكن من الممترين” (آل عمران 60) إن الحق من الاعتقاد والقول والفعل إنما يكون حقا بمطابقة السنة الجارية في الكون للذي هوفعله فالحق بالحقيقة إنما يكون حقا بمشيته وإرادته.
ويستطرد العلامة السيد الطباطبائي في تفسيره الميزان للآية يونس 35) قائلا: وإذ تحقق أنه ليس من شركائهم من يهدي إلى الحق، وأن الله سبحانه يهدي إلى الحق سألهم بقوله: ” أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى”؟ أن يقضوا في الترجيح بين اتباعه تعالى واتباع شركائهم وهوتعالى يهدي إلى الحق وهم لا يهدون ولا يهتدون إلا بغيرهم، ومن المعلوم أن الرجحان لمن يهدي على من لا يهدي أي لاتباعه تعالى على اتباعهم، والمشركون يحكمون بالعكس، ولذلك لامهم ووبخهم بقوله: “فما لكم كيف تحكمون”؟. والتعبير في الترجيح في قوله: “أحق أن يتبع” بأفعل التفضيل الدال على مطلق الرجحان دون التعين والانحصار مع أن اتباعه تعالى حق لا غير واتباعهم لا نصيب له من الحق إنما هو بالنظر إلى مقام الترجيح وليسهل بذلك قبولهم للقول من غير إثارة لعصبيتهم وتهييج لجهالتهم. وقد أبدع تعالى في قوله ” أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى” (يونس 35) والقراءة الدائرة: “لا يهدي” بكسر الهاء وتشديد الدال وأصله يهتدي، وظاهر قوله: “لا يهدي إلا أن يهدى” وقد حذف متعلقات الفعل فيه أنه إنما يهتدي بغيره لا بنفسه. والكلام قد قوبل فيه قوله: “يهدي إلى الحق” بقوله: “من لا يهدي” مع أن الهداية إلى الحق يقابلها عدم الهداية إلى الحق، وعدم الاهتداء إلى الحق يقابله الاهتداء إلى الحق فلازم هذه المقابلة الملازمة بين الاهتداء بالغير وعدم الهداية إلى الحق، وكذا الملازمة بين الهداية إلى الحق والاهتداء بالذات فالذي يهدي إلى الحق يجب أن يكون مهتديا بنفسه لا بهداية غيره والذي يهتدي بغيره ليس يهدي إلى الحق أبدا. هذا ما تدل عليه الآية بحسب ظاهرها الذي لا ريب فيه وهو أعدل شاهد على أن الكلام موضوع فيها على الحقيقة دون التجوزات المبنية على المساهلة التي نبني عليها ونداولها فيما بيننا معاشر أهل العرف فننسب الهداية إلى الحق إلى كل من تكلم بكلمة حق ودعا إليها وإن لم يعتقد بها أواعتقد ولم يعمل بها أوعمل ولم يتحقق بمعناها، وسواء اهتدى إليها بنفسه أوهداه إليها غيره. بل الهداية إلى الحق أعني الإيصال إلى صريح الحق ومتن الواقع ليس إلا لله سبحانه أولمن اهتدى بنفسه أي هداه الله سبحانه من غير واسطة تتخلل بينه وبينه فاهتدى بالله وهدى غيره بأمر الله سبحانه، وقد تقدمت نبذة من الكلام في هذا المعنى في ذيل قوله تعالى: “وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن” (البقرة 124).
وقد تبين بما قدمناه في معنى الآية “قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ۚ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ ۗ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ” (يونس 35) أمور: أحدها: أن المراد بالهداية إلى الحق ما هو بمعنى الإيصال إلى المطلوب دون ما هو بمعنى إراءة الطريق المنتهي إلى الحق فإن من الضروري أن وصف طريق الحق يتأتى من كل أحد سواء اهتدى إلى الحق بنفسه أوبغيره أولم يهتد. وثانيها: أن المراد بقوله: “أمن لا يهدي إلا أن يهدى” (يونس 35) من لا يهتدي بنفسه، وهذا أعم من أن يكون ممن يهتدي بغيره أويكون ممن لا يهتدي أصلا، لا بنفسه ولا بغيره كالأوثان والأصنام التي هي جماد لا يقبل هداية من غيره، وذلك أن قوله: “إلا أن يهدى” استثناء من قوله: “من لا يهدي” الأعم من أن لا يهتدي أصلا أو يهتدي بغيره والمأخوذ في قوله: “أن يهدى” فعل دخلت عليه أن المصدرية المأولة إلى المصدر، والجملة الفعلية المأولة إلى المصدر كذلك لا يدل على التحقق بخلاف المصدر المضاف إلى معموله ففرق بين قوله: “أن تصوموا خير لكم” (البقرة 184) فلا يدل على الوقوع وبين نحوقوله: “إن كنا عن عبادتكم لغافلين” (يونس 29) فيدل على الوقوع، ويقال: ضربك زيدا عجيب إذا ضربته، وأن تضرب زيدا عجيب إذا هممت أن تضربه. فقوله: “من لا يهدي إلا أن يهدى” معناه من لا يكون هداه من نفسه إلا أن تأتيه الهداية من ناحية الغير، ومن المعلوم أنها إنما تأتيه من الغير إذا كان في طبعه أن يقبل ذلك، وأما إذا لم يقبل فإنما يبقى له من الوصف أنه لا يهتدي فافهم ذلك. وللمفسرين في معنى هذا الاستثناء أقوال عجيبة: منها: أنه استثناء مفرغ من أعم الأحوال لأن من نفى عنهم الهداية ممن اتخذوا شركاء لله تعالى يشمل المسيح عيسى بن مريم وعزيرا والملائكة عليهم السلام، وهؤلاء كانوا يهدون إلى الحق بهداية الله ووحيه كما قال تعالى في الأنبياء من سورتهم: “وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا” (الأنبياء 73). وفيه: أن محصله أن المعنى لا يهدي إلا أن يهديه الله تعالى فيهدي غيره بعد اهتدائه بهدايته تعالى، وقد اختل عليه معنى الآية من أصله فإن من لا يهتدي إلى الحق بنفسه لا يتأتى له أن يهدي إلى الحق فإنه إنما يماس الحق من وراء حجاب فكيف يوصل إليه؟. على أن ما ذكره لا ينطبق على الأصنام التي هي مورد الاحتجاج في الآية فإنها لا تقبل الهداية من أصلها، وقد ذكر المسيح وعزيرا وهما ممن قدسته النصارى واليهود وليس وجه الكلام في الآية إليهم وإن شملتهما وغيرهما الآية بحسب عموم الملاك. ومنها: أن الاستثناء منقطع والمراد بمن لا يهدي الأصنام التي لا تقبل الهداية أصلا فحسب، والمعنى: أم من لا يهتدي أصلا كالأصنام إلا أن يهديه الله فيهتدي حينئذ. وفيه: أنه لا يفي بتوجيه المقابلة التي بين قوله: “من يهدي إلى الحق” وقوله: “من لا يهدي” فإن الهداية إلى الحق والاهتداء إليه لا يتقابلان إلا أن يئول المعنى إلى مثل قولنا: أ فمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهتدي أصلا إلا أن يهديه الله فيهتدي فيهدي غيره، ويرد عليه أنه لا وجه حينئذ لتخصيصه بمثل الأصنام ممن لا يهتدي أصلا حتى يصير الاستثناء منقطعا بل يعم ما لا يهتدي أصلا لا بنفسه ولا بغيره، ومن لا يهتدي بنفسه ويهتدي بغيره كالملائكة مثلا، ويرد عليه ما ورد على الوجه السابق.
ويستمر العلامة السيد الطباطبائي في تفسيره الميزان للآية يونس 35) قائلا: ومنها: أن المراد بمن لا يهدي الأصنام التي لا تقبل الهداية و”إلا” بمعنى حتى والمعنى لا يهتدي ولا يقبل الهداية حتى يهدى. وفيه: أن الترديد يرجع حينئذ إلى مثل قولنا: أ فمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهتدي أصلا حتى يهدى إلى الحق، ويعود الاستثناء مستدركا لا يتعلق به غرض في الكلام. مضافا إلى أن مجيء إلا بمعنى حتى غير ثابت وعلى تقدير ثبوته قليل في الكلام لا يحمل على مثله أفصح الكلام. ومنها: أن المراد بمن لا يهدي إلا أن يهدى الملائكة والجن ممن يعبدون من دون الله وهم يقبلون الهداية من الله وإن لم يهتدوا من عند أنفسهم أوالمراد الرؤساء المضلون الذين يدعون إلى الكفر فإنهم وإن لم يهتدوا لكنهم يقبلون الهداية ولوهدوا إلى الحق لهدوا إليه. وفيه: أن الآيات واقعة في سياق الاحتجاج على عبدة الأصنام، والقول بأن المراد بمن لا يهدي إلا أن يهدى الملائكة والجن أوالرؤساء المضلون يخرجها عن صلاحية الانطباق على المورد. وثالثها: أن الهداية إلى الحق بمعنى الإيصال إليه إنما هي شأن من يهتدي بنفسه أي لا واسطة بينه وبين الله سبحانه في أمر الهداية إما من بادىء أمره أوبعناية خاصة من الله سبحانه كالأنبياء والأوصياء من الأئمة، وأما الهداية بمعنى إراءة الطريق ووصف السبيل فلا يختص به تعالى ولا بالأئمة من الأنبياء والأوصياء كما يحكيه الله تعالى عن مؤمن آل فرعون إذ يقول: “وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ” (غافر 38) وقال: ” إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا:” (الإنسان 3). وأما قوله تعالى خطابا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو إمام: “إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ:” (القصص 56) وغيره من الآيات فهي مسوقة لبيان الإصالة والتبع كما في آيات التوفي وعلم الغيب ونحوذلك مما سيقت لبيان أن الله سبحانه هوالمالك لها بالذات والحقيقة، وغيره يملكها بتمليك الله ملكا تبعيا أوعرضيا، ويكون سببا لها بإذن الله، قال تعالى: “وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا:” (الأنبياء 73) وفي الأحاديث إشارة إلى ذلك وأن الهداية إلى الحق شأن النبي وأهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم وقد مر بعض الكلام في الهداية فيما تقدم. وإنما نسب اتباع الظن إلى أكثرهم لأن الأقل منهم وهم أئمة الضلالة على يقين من الحق، ولم يؤثروا عليه الباطل ويدعوا إليه إلا بغيا كما قال تعالى: “وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم:” (البقرة 213). وأما الأكثرون فإنما اتبعوا آباءهم تقليدا لهم لحسن ظنهم بهم.