الكاتب : د. فاضل حسن شريف
—————————————
قال الله تعالى عن الشيطان “فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ” ﴿طه 120﴾، “وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ” ﴿الأنبياء 82﴾، “وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ” ﴿الحج 52﴾، “لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ” ﴿الحج 53﴾، “وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ” ﴿المؤمنون 97﴾، “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَـٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿النور 21﴾، “لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا” ﴿الفرقان 29﴾، “وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ” ﴿الشعراء 120﴾، “هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ” ﴿الشعراء 221﴾، “وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ” ﴿الحجر 17﴾، “وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ” ﴿الحج 3﴾، “وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ” ﴿الصافات 7﴾، “وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ” ﴿التكوير 25﴾، “وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ” ﴿البقرة 14﴾.
جاء في التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله تعالى عن الشيطان “اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ۚ أُولَـٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ” ﴿المجادلة 19﴾ دعتهم شياطين الأهواء والأغراض إلى الضلال والفساد فاستجابوا لها، فأعمتهم عن الهدى وقادتهم إلى الضلال “أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ” لأن من أسلس زمامه لشيطان الهوى قاده إلى كل سوء وألقى به في المهالك لا محالة، إما غدا أولا فبعد غد حتى ولو تسلح بالذرة والصواريخ. قال تعالى في سورة المجادلة “اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ” (المجادلة 19) قال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القران: (استحوذ عليهم الشيطان أي: غلب واستعلى، أي: بوسوسته في الدنيا. وقيل: قوي عليهم. فأنساهم ذكر الله أي: أوامره في العمل بطاعته. وقيل: زواجره في النهي عن معصيته. أولئك حزب الشيطان طائفته ورهطه ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون في بيعهم، لأنهم باعوا الجنة بجهنم، وباعوا الهدى بالضلالة). قوله تعالى عن الشيطان “يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَـٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا” ﴿مريم 45﴾ أي مواليا، ويجوز أن يكون (وليا) على ظاهره، ويكون المعنى ان الشيطان هو الموالي لعبدة الأصنام من باب المبالغة، تماما كما تقول: الناس يتعوذون من الشيطان، والشيطان يتعوذ من فلان، وعلى كل تقدير فإن القصد التخويف والتحذير من طاعة الشيطان ومتابعته.
وعن التفسير الوسيط للمؤلف محمد سيد طنطاوي: وقوله: “نَسْتَحْوِذْ” من الاستحواذ بمعنى الغلبة والتمكن والاستيلاء، يقال: استحوذ فلان على فلان أى: غلب عليه وتمكن منه. ومنه قوله تعالى “اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّه”ِ (المجادلة 19). والمعنى: إن من صفات هؤلاء المنافقين أيها المؤمنون أنهم يتربصون بكم. أى: ينتظرون بترقب وملاحظة ما يحدث لكم من خير أو شر، أو من نصر أو هزيمة “فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ” ﴿النساء 141﴾ أى: نصر وظفر على أعدائكم قالُوا على سبيل التقرب إليكم”أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ” ﴿النساء 141﴾
في خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام عن وصف المنافقين (يَقُولُونَ فَيُشَبِّهُونَ، وَيَصِفُونَ فَيُمَوِّهُونَ، قَدْ هَوَّنُوا الطَّرِيقَ، وَأَضْلَعُوا الْمَضِيقَ، فَهُمْ لُمَةُ الشَّيْطَانِ، وَحُمَةُ النِّيرَانِ،”أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ” (المجادلة 19).
عن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى عن الشيطان “يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَـٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا” ﴿مريم 45﴾ إِنّ تعبير إِبراهيم هذا رائع جدّاً، فهو من جانب يخاطب عمّه دائماً بـ (يا أبتِ) وهذا يدل على الأدب واحترام المخاطب، ومن جانب آخر فإنّ قوله (أن يمسك) توحي بأنّ إِبراهيم كان قلقاً ومتأثراً من وصول أدنى أذى إِلى آزر، ومن جهة ثالثة فإِنّ التعبير بـ (عذاب من الرحمن) يشير إِلى أن أمرك نتيجة هذا الشرك وعبادة الأصنام قد بلغ حدّاً بحيث أن الله ـ الذي عمت رحمته الأرجاء ـ سيغضب عليك ويعاقبك، فانظر إِلى عملك الذي تقوم به كم هو خطير وكبير! ومن جهة رابعة، فإنّ عملك سيؤدي بك في النهاية أن تستظل بولاية الشيطان.
جاء في معاني القرآن الكريم: شطن الشيطان النون فيه أصيلة (قال ابن منظور: والشيطان: فيعال من: شطن: إذا بعد، فيمن جعل النون أصلا، وقولهم: الشياطين دليل عن ذلك. اللسان (شطن) )، وهو من: شطن أي: تباعد، ومنه: بئر شطون، وشطنت الدار، وغربة شطون، وقيل: بل النون فيه زائدة، من شاط يشيط: احترق غضبا، فالشيطان مخلوق من النار كما دل عليه قوله تعالى: “وخلق الجان من مارج من نار” (الرحمن 15)، ولكونه من ذلك اختص بفرط القوة الغضبية والحمية الذميمة، وامتنع من السجود لآدم، قال أبو عبيدة (انظر: مجاز القرآن 1/32): الشيطان اسم لكل عارم من الجن والإنس والحيوانات. قال تعالى: “شياطين الأنس والجن” (الأنعام 112)، وقال: “وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم” (الأنعام 121)، “وإذا خلوا إلى شياطينهم” (البقرة 14)، أي: أصحابهم من الجن والإنس، وقوله: “كأنه رؤوس الشياطين” (الصافات 65)، قيل: هي حية خفيفة الجسم، وقيل: أراد به عارم الجن، فتشبه به لقبح تصورها، وقوله: “واتبعوا ما تتلوا الشياطين” (البقرة 102)، فهم مردة الجن، ويصح أن يكونوا هم مردة الإنس أيضا،