الجائعون

رياض سعد

حين بلغ سامر العشرين، كان يظن أن العالم كله مختصر في جسد امرأة.

لم يكن الأمر شهوة خالصة، كما كان يخبر نفسه كل ليلة، بل شيء أكثر تعقيداً وأشد قسوة.

كان يريد يداً تمسح على شعره حين يعود مهزوماً من يوم طويل.

كان يريد صوتاً أنثوياً يقول له:

– لا بأس… لقد تعبت كثيراً.

كان يريد أن يشعر بأنه مرئي.

كان وحيداً في غرفة ضيقة تتسع لسرير معدني وخزانة خشبية متشققة… ؛  يتناول خبزاً يابساً ويحتسي الشاي الرخيص، بينما يراقب عبر نافذة الغرفة الفتيات العائدات من الجامعة، يمشين في ضوء المغيب كأنهن يعرفن إلى أين يمضين.

أما هو، فلم يكن يعرف.

كانت أجساد النساء تمر في حياته مثل وعد بعيد؛ رائحة عطر في حافلة مزدحمة، ضحكة متقطعة في مقهى، خصلة شعر أفلتت من حجاب فتاة عابرة.

وكان قلبه يركض خلف كل ذلك ككلب ضال.

قال له صديقه خالد ذات مساء:

– أنت لا تبحث عن امرأة يا سامر… أنت تبحث عن نجاة.

ضحك سامر وهو يشعل سيجارته الرخيصة.

– وما الفرق؟

أجابه:

– فرق كبير… المرأة إنسان، أما النجاة مؤقتة .

لم يفهم يومها.

كان الجوع أبلغ من الحكمة.

مرت السنوات .

عمل في كل شيء.

حمّالاً في المخازن.

موظفاً صغيراً في شركة لا تعرف أسماء موظفيها.

بائعاً للأحلام المؤجلة.

كان يجمع المال كما يجمع الناجون حطب الشتاء.

شيئاً فشيئاً، صار له راتب محترم، وقميص جيد، وساعة لامعة.

لكن ذلك الفتى الجائع ظل حياً داخله.

يجلس في العتمة.

ينتظر.

حين التقى ليلى، شعر أن السماء كافأته أخيراً.

كانت تضحك بعينيها قبل شفتيها.

تقول له:

– تبدو قوياً.

ولم يكن أحد قد قال له ذلك من قبل.

أمسكت يده في الشارع ذات مساء.

ارتجف.

ليس من الحب.

بل من الذهول.

أن يصبح هو، الذي نام سنوات إلى جوار وحدته، جديراً بيد امرأة.

بعد شهرين تزوجها.

لم يسأل كثيراً.

لم يسأل إن كانا يعرفان بعضهما حقاً.

لم يسأل ماذا تخاف.

ولا ماذا تحب.

ولا كيف تتشاجر.

ولا كيف تسامح.

كان يرى شيئاً واحداً فقط:

“لن أنام وحيداً بعد اليوم.”

في السنة الأولى، اكتشف أن البيوت لا تُبنى بالرغبة وحدها.

ليلى أيضاً كانت جائعة.

لكن جوعها مختلف.

كانت تريد رجلاً يرمم شعورها القديم بالنقص.

كانت تريد من يقول لها إنها الأجمل.

الأهم.

الأكثر استحقاقاً.

كانت تريد حباً بلا حدود، بينما كان هو يريد طمأنينة بلا شروط.

كل منهما مدّ صحنه الفارغ نحو الآخر.

وقال بصمت:

أطعم جوعي.

في إحدى الليالي، بعد شجار طويل، قالت له وهي تبكي:

– أنت لا تحبني… أنت خائف فقط من أن تبقى وحيداً.

أجابها بعصبية:

– وأنتِ؟ ماذا عنك؟

صمتت.

ثم همست:

– وأنا أيضاً خائفة.

لأول مرة، رأى هشاشتها.

لم تكن ساحرة شريرة جاءت لتسلبه روحه.

كانت طفلة قديمة تختبئ داخل امرأة ناضجة.

طفلة تخشى أن تُترك.

كما كان يخشى هو.

مرّت أعوام أخرى.

ذبلت الرغبة الأولى.

هدأت العواصف.

لم يعد الثديان مركز الكون.

ولا الفراش خلاصاً نهائياً.

صار الحب شيئاً آخر.

فنجان شاي تعدّه له حين يمرض.

دواء تنسى أن تتناوله فيذكرها به.

رسالة قصيرة:

“قدت السيارة بحذر؟”

نوم متجاور.

صمت متفاهم.

ومشاجرات حول فواتير الكهرباء.

ثم مصالحة على طبق عدس ساخن.

اكتشف سامر متأخراً أن الجسد باب، لكنه ليس البيت كله.

وأن الرغبة نار تشعل البداية، لكنها لا تكفي لتدفئة الحياة.

في الخمسين، جلس وحيداً في شرفة منزله.

راقب ابنه الشاب محمد وهو يتأنق للخروج.

ابتسم.

تذكر نفسه.

ذلك الذئب الهزيل الذي كان يركض خلف أي ابتسامة أنثوية، ظناً منه أن امرأة واحدة تستطيع أن تنقذه من نفسه.

اقترب الابن منه وسأله:

– أبي… كيف يعرف الرجل أنه مستعد للحب؟

ظل صامتاً طويلاً.

ثم قال:

– حين يتوقف عن البحث عن أمٍّ داخل كل امرأة.

نظر إليه الابن باستغراب.

فأضاف:

– وحين لا يرى المرأة خبزاً لجوعه، ولا دواءً لوحدته، ولا مرآة لرجولته… ؛ بل يراها إنساناً كاملاً، له خوفه ورغباته ونقصه وأحلامه.

سكت قليلاً، ثم ابتسم ابتسامة متعبة.

– أخطر ما في الجوع يا بني، أنه يقنعك بأن أول مائدة هي وليمة العمر.

رفع رأسه نحو السماء الرمادية.

وأدرك أخيراً أن الإنسان لا ينجو بالآخرين وحدهم.

وأن الحب ليس أن يجد نصفه الضائع.

بل أن يأتي كاملاً بما استطاع من شظاياه، ويجلس إلى جوار شظايا إنسان آخر، ثم يحاولان معاً، بصبرٍ ورحمة، أن يصنعا من هذا النقص المشترك حياةً أقل وحشة.

فالجائع لا يحتاج دائماً إلى امرأة.

أحياناً…

يحتاج أولاً إلى أن يتصالح مع الطفل الجائع الذي يسكن داخله .