محمد صادق الهاشمي
بقلبٍ مُحبّ، وأُذُنٍ واعية، وعقلٍ يتقبّل الآخر، أستمع إلى الآخر، فأجده يقول:
لماذا دفعْنا – نحن الشيعة – أثمانًا كبيرةً باهظة، وأكلافًا جسيمة، في مواجهة الأمريكان، سواء في موقفنا في غزّة أو غيرها من المواقف؟
وهل من مصلحة الشيعة أن يكون دورهم المواجهةُ العسكريةُ مع الأمريكان؟ وكان بالإمكان المهادنة، وهي أحد أساليب المواجهة الناعمة، ريثما يشتدّ عودُ الشيعة في مختلف المجالات؟
ولماذا تورّط الشيعة في سورية؟
وهكذا، تُطرَح عشراتُ الأسئلة والآراء، التي تُطرَحُ قطعًا بإخلاص، وهي وجهاتُ نظرٍ لا بُدّ من احترامها.
والجواب:
أوّلًا:
بعد أن حدّد الموقفَ الإمامُ الخامنئي، والمرجعُ السيستاني حصريًّا (بالمواجهة)، فإنّه لا يمكن الاجتهادُ في الرأي مقابل ما يُحدّده ولاةُ الأمر، سيّما أن المرجع السيستاني قسّم الصراعَ بين محورين: محورِ الحق ومحورِ الباطل، وطلب من محورِ الحقّ الثباتَ، لعلمِه بخطورة مخطّطاتِ العدوّ، قائلًا:
((مع ما دفعناه من أثمانٍ بشريّة وخسائرَ مادّية، لا بُدّ من الثبات وعدم الانكسار)).
أفليس هذا الموقف نابعًا من رؤيةٍ عميقةٍ، وفهمٍ دقيقٍ لمنهج العدوّ الخطير؟
وعليه، لا يمكن في البَينِ مهادنةُ من عَزَمَ على قتلِك وسَفكِ دمك، وقد فعل.
نعم، المهادنةُ مُمكنة، وهي فنٌّ لا يمكن إغفاله في عالم السياسة، إلّا أنّها دون جدوى؛ وكما يقول المرجع السيستاني: إنّ التحدّيات قادمةٌ إلى العراق (عاجلًا أم آجلًا)، فالتصوّر في إمكانيّة التعايش مع عدوٍّ يُجاهر بالقتل، ويُعلن أنّه عازمٌ على استئصال الشيعة، غيرُ واقعيّ؛ لأنّهم – بنظره – العقبةُ أمام مشروعه في استعباد منطقةِ الشرق، حتى يتسيّد الكيانُ الصهيونيّ.
ثانيًا:
بمراجعةٍ لتاريخِ إجرامِ العدو وأفعاله، لمعرفة عمقِ نيّاته الخبيثة ومخطّطاته الشرسة، نجد أنّه قبل طوفانِ الأقصى، كما هو بعده، لم يترك الشيعة وعمومَ المسلمين يعيشون بسلام، بل لا يقبل منهم إلّا أن يُعلنوا العبوديّةَ له، ويرفعوا رايةَ الاستسلام.
والمذابح التي أقامها العدوّ منذ القرن العشرين – وآخرها في لبنان – كانت قبل طوفان الأقصى، فليس الطوفانُ سببًا كما يرى البعض.
وأمّا في العراق، فقد مَكّن العدوُّ دَورَ البعثيّين والقاعدة والدواعش، لا لأنّ الشيعةَ ساندوا غزّة أو دافعوا عن بشّار، بل لأنّ له مخطّطًا قديمًا، ينبع من عُقده وعقيدته الدينيّة الاستعلائيّة.
والحالُ لا يمكن معها التعايشُ، فمهما تحاشينا الصدامَ معه، فإنّه يُخطّط للاستيلاء على المنطقة، ونزعِ عناصرِ قوّتها وقدرتِها (أمنيًّا، وفكريًّا، واقتصاديًّا، وبشريًّا)، وإنّه لا يقبل بأقلّ من احتلالِنا، وإسقاطِ دولتِنا، وقتلِ رجالِنا، ونزعِ سلاحِنا، ونهبِ ثرواتِنا. وهذا هدفُه الثابت، لا تُغيّره المهادنات.
الخلاصة:
إنّ حربَنا مع العدو ليست حربًا على آبارٍ، أو أرضٍ، أو تجارةٍ، أو أيّ سببٍ آخر، غير أنّه وضعَنا بين اثنتين:
إمّا أن يجعلَنا كغزّة،
أو نُدافع عن أنفسِنا مهما كَلّف الثمن.
ولا يمكن الهدنةُ أو التأجيلُ مع عدوٍّ قتل رُبعَ البشريّة في أمريكا الجنوبيّة، وأفريقيا، وآسيا، والعالم العربيّ والإسلاميّ.
نعم، لا يمكن المهادنةُ مع عدوٍّ يصفه المرجعُ السيستاني بأنّهم:
((وحوشٌ بشريّة)).
شيعةُ العراق أكثرُ الشعوب تضرّرًا من العدوان والاحتلال؛ فقد تسلّطت علينا الدولةُ العثمانيّة (٤٠٠) عام، ثمّ الاحتلالُ البريطانيّ منذ عام ١٩٢١م إلى عام ١٩٥٨م، ثمّ حَكَمنا التطرّفُ المذهبيّ منذ عبد السلام عارف وعبد الرحمان عارف، وصولًا إلى صدّام حسين.
وتلك (٥٠٠) سنة من القهر، والخوف، والتدمير، والحروب، والعبوديّة، بتحريكٍ من الصهيونيّة.
فهل قَبِلَ منّا العدوُّ يومًا التعايش؟
أو أوقفَ سَفكَ الدماء؟
ثم عادوا بعد ٢٠٠٣ لممارسة دورٍ صهيونيٍّ خطير!
تَمسّكوا بسلاحِكم.