متى يعود الماضي ؟

كامل سلمان

في نهاية ستينيات وبداية سبعينيات القرن الماضي كانت في بغداد وغالبية المحافظات العراقية ( أكشاك ) منتشرة في كل مكان لبيع الصحف والمجلات ، كان الموظفون والتدريسيون وأصحاب المحلات والمهن الحرة وأصحاب الدخل الجيد يمرون صباح كل يوم على هذه الأكشاك لشراء جرائدهم المفضلة حيث كانت تلك الأكشاك أو المكتبات الفرعية كما كانوا يسمونها تزخر بأنواع الصحف والمجلات العراقية والعربية منها جريدة الثورة والجمهورية وطريق الشعب والتآخي والرياضي ومجلة ألف باء والموعد والنهار وصحف عربية وغيرها ، كانت أسعار الصحف تتراوح بين عشرين فلساً وخمسين فلساً ، لكن أصحاب الأكشاك أو ( المكاتب ) كانوا يوفرون فرصة للشباب وللطلاب ولأصحاب الدخل المحدود بأمكانية قراءة الصحف عند الكشك ثم تعاد الصحيفة إلى صاحب الكشك فقط بخمسة فلوس فكنا نلاحظ جمهرة من الشباب يتبادلون قراءة الصحف المخصصة للقراءة عند الكشك أو بجانب الكشك بخمسة فلوس . ما يميز الصحف في تلك الفترة بأنها كانت غذاء ثقافي في جميع صفحاتها حتى لعبة الكلمات المتقاطعة للتسلية كانت فيها قيمة ثقافية . . معظم الشباب في تلك الفترة كانوا يطلعون على الأخبار والصفحات الثقافية والمنوعات بشغف كبير ، ونفس هؤلاء الشباب تجدهم في أوقات العصر تزدحم بهم النوادي الرياضية أو ساحات كرة القدم وفي المساء يذهبون إلى دور العرض السينمائي وقسم منهم إلى الكازينوهات أو المقاهي وآخرين إلى حانات الخمر أو البارات كل حسب إمكانياته وتوجهه أما دور العبادة فكانت ملتقى العجائز وكبار السن وكانت قليلة نسبياً ، هذه هي صورة الحياة في تلك الفترة الزمنية التي نسميها اليوم ( الماضي ) وبما أنها كانت حياة خالية من الإكراه وفرض الرأي الذي ظهر بعد حين فهي تلخص لنا بأن الحرية تجعل الإنسان يتنقل بين الثقافة والرياضة والأمسيات الجميلة والعمل المنتج ولا يضطر الإنسان بوجود الحرية والإنفتاح إلى أن يزجر أو يقاتل الأخرين بسبب معتقده ولا يجد ضرورة بوضع نفسه في موضع الإهانة فكل إنسان له معتقده وحقه الفكري وحريته دون المساس بالآخرين كما هو موجود اليوم عند المجتمعات المتطورة فهي موجودة في ماضينا لفترة محدودة ، فقد كانت المعتقدات فكرية في ذاك الزمان ثم تلوثت فيما بعد ، ومن ذكريات هذا الماضي الجميل حتى الغناء والموسيقى ذات نكهة خاصة لأن مطربي وموسيقيي تلك الفترة ظواهر تأريخية لن تتكرر مقارنة بمطربي هذا الجيل فقد كانوا عمالقة بكل ما للكلمة من معنى مثل أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم وفريد الاطرش وصباح فخري وناظم الغزالي وزهور حسين وسليمة مراد وفيروز وعمالقة الغناء الكوردي مثل حسن زيرك وحمه جزه وحسن جزيري وأحمد الخليل وحتى مطربي الغناء الفارسي مثل كوكوش ومهستي وهايده وستاري ومعين كلهم كانوا نجوم لامعة أعطوا للحياة طعم وجمالية خاصة ، هذه هي الثقافة والحياة الثقافية لذلك الجيل الذي إذا ما قارناها بحياة هذا الجيل فبالتأكيد نتمنى أن يكون شكل ذلك الماضي حاضراً في حياة هذا الجيل . نعم هذا هو نوع الماضي الذي نبحث عنه لا الماضي الذي تركه بنو أمية وبنو العباس وبنو فلان وفلان والرايات السود والعثمانيون الذين لم يتركوا لنا شيء إن أعدناه إلى حاضرنا عادت الينا المصائب و الحروب والفتن والانتقام والخراب ، نعم نريد الماضي الطيب ولا نريد الماضي الخببث ، فما زال طعم حلاوة الماضي الذي رأيناه وعشناه هو الأجمل بلا مقارنة . غالبية مثقفي اليوم أن لم أقل جميعهم يتغنون بثقافة ذلك الجيل وكتابات مفكري ذلك الجيل لأن ثقافة اليوم ليست فيها طعم ولا رائحة . اليوم إذا أراد أحد الشباب تثقيف نفسه بما هو مطروح في المواقع الإلكترونية سيجد نفسه إما إنسان طائفي أو ذا إنحلال أخلاقي أو متعصب لفئة معينة أو مخبول عقائدياً لأن ثقافة اليوم لا تعطيك ثقافة بل تزق فيك السموم ، طبعاً الكلام ليس مطلق ولكن هذه هي الصبغة الغالبة . نحن لم نطلع على الحياة الثقافية للأجيال التي سبقت جيل الستينيات من القرن الماضي لكن ما كنا نسمعه عن الأجيال التي سبقت كانت فقيرة ثقافياً وعلمياً ورياضياً وفنياً وكلما رددنا إلى عمق الماضي كلما مررنا بمراحل عبارة عن فراغات زمنية ، بالضبط أشبه ما يكون بالفضاء الكوني ، فكلما أبتعدنا عن عالم المجرات ندخل إلى الفراغ الكوني ، فهل نتخيل هناك ثقافة عند العثمانيين الذين حكموا بلداننا لمئات السنين كي نتغنى بها وقبلهم الصفويون وقبلهم المغول وغيرهم ، فياليت الذين يريدون الماضي يأتون بمثل الماضي الذي تحدثنا عنه قبل خمسة إلى ستة عقود لا أن يأتون بماضي بدو الصحراء و الجزيرة العربية الأجلاف ولا ماضي الحجاج بن يوسف الثقفي ولا ماضي ابو العباس السفاح ولا ماضي يزيد ابن معاوية ولا غيرهم من الأسماء التي تشبعت عقولنا بهم هماً وغماً وحرقاً للأعصاب فهؤلاء أغلبهم ليسوا ماضي بل مواد قابلة للإشتعال تحرق الحاضر والمستقبل وتجعل أيامنا سواد ، أولم تكفينا التجارب التي عايشناها أم مازلنا بحاجة إلى المزيد من التجارب لكي نتعظ ؟ بأختصار أحضروا لنا الماضي الذي يعيد الحياة لنا لا الماضي الذي يسلب ما تبقى من حياتنا .