ضياء المهندس
على مدى أكثر من عقدين، تبلورت فجوة متسعة بين المواطن العراقي والسلطة الحاكمة. هذه الفجوة ليست مجرد خلاف سياسي، بل أزمة ثقة شاملة تغذيها عوامل مترابطة، مدعومة بإحصائيات وأحداث لا تزال ماثلة في الذاكرة الجماعية.
1. الفساد المستشري
وفق استطلاع Arab Barometer (2021)، اعتبر 73% من العراقيين أن الفساد هو التحدي الأكبر، بينما رأى 88% أنه منتشر بشكل واسع أو متوسط داخل مؤسسات الدولة.
مسح International Republican Institute (2021) أظهر أن 64% صنفوا الفساد كأهم مشكلة، و74% لا يثقون بالأحزاب السياسية.
منذ 2019، تشير تقديرات منظمات الشفافية إلى أن أكثر من 92% من المواطنين يعتقدون أن الفساد يزداد سوءاً، وأنه يمس أعلى مستويات السلطة.
2. الخدمات العامة: ثروة نفطية وشعب محروم
رغم أن العراق يمتلك أكثر من 145 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية المؤكدة، لا يحصل سوى 59.7% من السكان على مياه شرب محسّنة (إحصائيات 2022).
شبكة الكهرباء غير مستقرة، مما دفع العديد من العائلات إلى الاعتماد على الطاقة الشمسية، وهو مؤشر على تراجع ثقة الناس بقدرة الدولة على تلبية احتياجاتهم الأساسية.
3. الطائفية والمحاصصة
نظام المحاصصة الطائفية الموروث منذ 2003 أدى إلى تفكيك المؤسسات، وإلى شعور قطاعات واسعة بأنها غير ممثلة، حيث يتم توزيع المناصب على أساس الانتماء الحزبي والطائفي بدل الكفاءة.
دراسات Chatham House (2023) تشير إلى أن هذا النظام عزز الانقسام الاجتماعي، وأضعف المساءلة.
4. قمع الاحتجاجات الشعبية
احتجاجات تشرين 2019، التي خرج فيها مئات الآلاف ضد الفساد وسوء الخدمات، واجهت قمعاً أسفر عن مقتل مئات وإصابة آلاف، ما تسبب في تآكل الثقة نهائياً بين الشارع والطبقة السياسية.
هذا النهج في التعامل مع المعارضة ليس جديداً؛ فمنذ 2015 شهد العراق موجات احتجاج متكررة قوبلت بالعنف أو الإهمال.
5. غياب سيادة القانون وسط نفوذ المليشيات
استطلاع Chatham House أظهر أن 93% من العراقيين يقرّون بانتشار الفساد، لكن 12% فقط يرون أن الحكومة جادة في مكافحته.
الفصائل المسلحة، وخاصة المرتبطة بـ”الحشد الشعبي”، تمارس نفوذاً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، أحياناً على حساب سلطة الدولة، كما حدث في حادثة الهجوم على مديرية زراعية في بغداد عام 2025، والتي دفعت الحكومة لاتخاذ إجراءات خجولة ضد بعض قياداتها.
6. الثقة المنهارة رغم تحسن طفيف
تجارب دولية يمكن للعراق الاستفادة منها
جورجيا (بعد 2004): أطلقت حملة إصلاح شاملة لمكافحة الفساد، شملت تغيير كوادر الشرطة، وإلغاء الرخص البيروقراطية المعقدة، وفرض الشفافية الرقمية، ما أدى لانخفاض مؤشرات الفساد بشكل كبير خلال أقل من عقد.
إستونيا: اعتمدت الحكومة نهج الحكومة الإلكترونية، ما قلل من التماس المباشر بين المواطن والموظف، وبالتالي خفّض فرص الرشوة، ورفع كفاءة الخدمات.
رواندا: بعد الإبادة الجماعية، ركزت على بناء مؤسسات قوية وخالية من المحاصصة العرقية، مع سياسة “عدم التسامح مع الفساد”، مما جعلها واحدة من أكثر الدول استقراراً في أفريقيا خلال عقدين.
الخلاصة
العراق يقف اليوم أمام مفترق طرق. استمرار النهج الحالي يعني تعميق أزمة الثقة بين المواطن والدولة، بينما تبني إصلاحات جذرية مستوحاة من تجارب ناجحة عالمياً قد يعيد رسم العقد الاجتماعي.
لكن هذا الإصلاح يتطلب إرادة سياسية صادقة، ومساءلة حقيقية، وإبعاد المليشيات عن القرار السياسي، مع الاستثمار في الخدمات الأساسية لتعزيز شعور المواطن بأن الدولة موجودة لخدمته لا لاستنزافه.
البروفيسور د.ضياء واجد المهندس