حروب الأديان

كامل سلمان

جميع الحروب التي حدثت وتحدث في منطقة الشرق الأوسط لابد أن تكون لها بصمة دينية أو طائفية خفية أو ظاهرية ، فعندنا نوعين من حروب الأديان ، الحروب التي تدخل بها القوة المسلحة لتقتل الناس بأسم الدين تحت هيبة العمامة واللحى المباركة وتسبى بها النساء والنوع الأخر الحروب الكلامية التي تقتل أو تتلف العقول فقط ، الحديث حول الحروب الكلامية والإعلامية بين الطوائف والأديان حديث ذو شجون لأنها تبين مدى تردي الحالة الثقافية التي وصل إليها الناس فالحروب الدينية العسكرية باتت واضحة للجميع هي حروب الكبار بتحريك أدواتهم الصغار مثل حرب داعش والحروب الطائفية التي حصدت عشرات الآلاف من النفوس البريئة وحرب الطوفان الأقصى وما تبعته من حروب مدمرة ، أما الحروب الكلامية التي تزخر بها وسائل الإعلام و ومواقع التواصل الإجتماعي فهي التي تبشر بالدمار الإجتماعي القادم ، فما لم تدمره الحروب العسكرية ستتكفل به الحروب الكلامية الأيديولوجية لأن الحروب العسكرية كفيلة بتدمير ما بناه الإنسان أما الحروب الكلامية الدينية والطائفية فستتكفل بتدمير عقل الإنسان وما تبقى للإنسان … الأديان والمذاهب أفضل ساحة للصراعات الفكرية وخلق الكراهية المجتمعية وتحجيم عقول الناس فهي مضمار حيوي جاهز للفتن بأي وقت ، ما نراه اليوم من حروب وفتن وعداوات وانتقام كلها ذات جذور متعلقة بالدين سواء مع الديانات الأخرى أو المذاهب الأخرى داخل الدين الواحد .. المتتبع لوسائل التواصل الاجتماعي واليوتيوبات وبعض المحطات التلفازية الفضائية سيلاحظ بوضوح هناك حرب حقيقية وطعونات قاتلة بين الأديان وبين الطوائف وبين الإلحاد والإيمان ، جبهات متعددة ونيران مستعرة وضحايا عقلية ونفسية بالجملة ، كل دين وكل مذهب وكل جبهة تعلن من خلال وسائلها الإعلامية يومياً عن كسب المئات من العباد المهتدين اليها الذين كانوا على ضلالة واهتدوا لصالح الفكر الجديد كما يسمونه ، وكالعادة كل منهم يدعي أنه الفكر الصحيح والأخرين في ضلال ، ومع اشتداد هذه الحروب اليومية تبرز أسماء مميزة لها القدرات الخطابية والتحريضية أو تقديمها للبرامج التلفازية لكل دين ولكل مذهب ، هذه الأسماء تشتهر وتكسب شعبية واسعة ولها القدرات الكلامية البلاغية في الدفاع عن الدين أو المذهب وأسماء أخرى لها الحجج في التهجم على الديانات والمذاهب الأخرى وإبطال حججها ، جميع المذاهب والأديان لها خطط دفاعية وخطط هجومية تسعد و تثلج قلوب اتباعها وتغيظ قلوب اعداءها . الحقيقة يجب أن تقال بأن الثقافة اللا دينية والإلحادية هي الأكثر استحواذاً على عقول الشباب نساءاً ورجالاً في خضم هذه الصراعات وهي الأكثر قدرة على إظهار عيوب الديانات والمذاهب وهي التي سجلت إنتشاراً واسعاً مذهلاً وسط جموع الشبيبة والطبقات المثقفة ورغم ذلك مازالت حشود التطرف الديني تحتفظ بتفوّقها العددي وسطوتها المرعبة ووجودها النفسي الراسخ والقوي وجذورها العميقة داخل أوساط المجتمع . المشكلة هي عند الأتباع والمؤمنين الذين يستهلكون أوقاتهم للإستماع والاستمتاع لوعاظ دياناتهم ومذاهبهم ولمن يمثل صوت مذهبهم أو دينهم أو أفكارهم على شاشات التلفزة فيزدادون شحناً ويزدادون حقداً وكراهية على الأطراف الأخرى وبنفس الوقت يزدادون ولاءاً وحباً لمذاهبهم أو دياناتهم أو عقائدهم فيتحول إيمانهم النسبي إلى إيمان متطرف مطلق وبعض منهم يصل إلى مرحلة اليقين كما يتهيأ لهم بفضل هذه المواقع المضللة المسمومة التي تشحن عقولهم على مدار الساعة . لا غرابة أن بعض هؤلاء المتابعين بشغف والمستسلمين لمعتقداتهم لهم القدرة على الكتابة فيقومون بتحويل هيامهم الفكري المتطرف إلى قصائد شعرية أو مقالات عدائية حاقدة أو رسوم كاريكاتيرية أو حتى برمجة كومبيوترية ضد الجهات الأخرى يتم نشرها في الصحف والمواقع الإلكترونية منطلقين من شعورهم اليقيني بما يؤمنون به ليصبوا الزيت على النار . . هي حقيقة حروب قذرة تأويها المجتمعات والدول المغضوب عليها التي لا تشبع من الحروب والمشاكل وسفك الدماء والتي تعيش أوضاعاً مزرية ونقص في كل متطلبات الحياة الحرة الكريمة وبالتحديد مجتمعاتنا البائسة التي أبتليت بهذه الخلطة من الألام . جميع الحروب والفتن التي عاشتها مجتمعاتنا وجميع الأرواح التي زهقت منذ مئات السنين ولحد يومنا هذا هي نتاج طبيعي لهذه المعتقدات والأفكار المتطرفة التي يحُيونها اليوم مستفيدين من تكنلوجيا الاتصالات . فبدل أن تصبح اجهزة الاتصال والتواصل طريقاً لنشر الوعي والمحبة بين الناس وتعميم المعارف العلمية أصبحت وسائل لنشر ثقافة الكراهية والأحقاد . المثقف العاقل الواعي المدرك لهذه الخزعبلات يجد نفسه محشوراً في زاوية ضيقة مع هذه الأمواج المتلاطمة من التخلف فبمجرد أن ينطق بكلمة تنهال عليه الشتائم والتهم من كل حدب وصوب لأن المثقف بالتأكيد لا يميل مع أية جهة متطرفة فكرياً فيصبح مذموماً ملوماً وياليته لم يتكلم لكن هي رسالة على عاتقه أن لا يسكت أمام هذه الهمجية العصرية فلابد أن يصرخ بصوته عالياً لعل أصوات النشاز تخفت . يقولون بأن من حق كل صاحب فكر أن يقوم بنشر عقيدته وأفكاره . حتى مفهوم حرية النشر لا تنطبق على هذا الحال لأن مانراه على أرض الواقع هي عملية تهشيم فكري ، هؤلاء يدمرون عقول الناس بحجة نشر الدين أو المذهب يصل ببعضهم الحال أن يقتل ويفجر من لا يتفق معه . كل الحروب تنتهي بالصلح أو الهدنة أو الإستسلام إلا الحروب الدينية والطائفية لها بداية وليست لها نهاية فلا صلح ولا هدنة ولا استسلام . . لماذا يفعلون كل ذلك ؟ لماذا يدمرون عقول الشباب بدل أن يرشدوهم الى العلم والمعرفة والتكنلوجيا يعملون جاهدين على إعادتهم إلى الماضي السحيق لكي يتقاتلون من أجله ؟ لماذا تصرف هذه الأموال الضخمة لدعم التطرف الديني التي تكفي لبناء مئات المصانع والمختبرات والمستشفيات ودور الرعاية الصحية بدل الكلام الفارغ المدمر للعقول ؟ لماذا والف لماذا ؟ طبعاً لا جواب ، وقد يكون هناك جواب واحد فقط ينطق عنهم جميعهم بالنيابة وهو ( إنهم عطلوا عقولهم جانباً ومنعوا عنها الهواء وبظلمهم لعقولهم ظلمتهم الدنيا فسيبقون مظلومين متحسرين نادمين طالما عقولهم لم تتنفس هواء الحرية