الحق بين الوحي والعقل: قراءة مقارنة في بناء الأحكام بين الإسلام والمذاهب الفكرية المعاصرة

حسين شكران الأكوش العقيلي

في عالم تتسارع فيه الأسئلة وتتشابك فيه المفاهيم، يظل سؤال “من أين يستمد الإنسان أحكامه؟” سؤالًا جوهريًا، لا يخص الفقهاء وحدهم، بل يمتد إلى كل من يسعى لفهم الحياة وتوجيهها. بين الوحي والعقل، تتشكل منظومتان متباينتان في الرؤية والمنهج، تتقاطعان أحيانًا، وتتنافران أحيانًا أخرى، لكنهما تظلان حاضرتين في وجدان الإنسان المعاصر، كلٌ منهما يدّعي القدرة على الوصول إلى الحق، وإن اختلفت أدواته.

الوحي، في الإسلام، ليس مجرد مصدر معرفي، بل هو خطاب إلهي يحمل في طياته رؤية شاملة للوجود، تتجاوز حدود الزمان والمكان. إنه ليس نصًا جامدًا، بل روحٌ تتنفس في حياة الناس، وتُعيد تشكيل الواقع وفق قيم الرحمة والعدل والكرامة. الأحكام الشرعية لا تُبنى على منطق القوة أو المصلحة، بل على أساس التكليف الذي يراعي ضعف الإنسان، ويحتضن تقلباته. فالصلاة ليست مجرد حركة، بل صلة، والصوم ليس حرمانًا، بل تطهير، والزكاة ليست ضريبة، بل تطهير للمال والنفس.

أما العقل، في المذاهب الفكرية المعاصرة، فقد ارتقى ليكون المرجع الأعلى، لا بوصفه أداة فهم فحسب، بل بوصفه مصدرًا للتشريع والتنظيم. العقل الحديث، المتأثر بالفلسفة الوضعية والتجريبية، يرى في الإنسان كائنًا مستقلًا، قادرًا على بناء منظومته الأخلاقية دون الحاجة إلى مرجعية غيبية. وهكذا نشأت القوانين الوضعية، التي تُنظم حياة الناس وفقًا لمعادلات المصلحة والمنفعة، وتُعيد تعريف المفاهيم الكبرى كالعدالة والحرية والحق، بعيدًا عن الوحي.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يستطيع العقل وحده أن يُنتج منظومة أخلاقية متماسكة؟ وهل يكفي الوحي وحده لتوجيه الإنسان في عالم متغير؟ هنا تتجلى الحاجة إلى التأمل، لا إلى المفاضلة. فالوحي يمنح الإنسان البوصلة، والعقل يمنحه القدرة على الحركة. الوحي يُرسي المبادئ، والعقل يُفصّلها ويُطبقها. حين يُقصى أحدهما، يختل التوازن، وتضيع الرؤية.

في التجربة الإسلامية، لم يكن العقل خصمًا للوحي، بل شريكًا في الفهم والتأويل. الفقهاء الأوائل لم يُلغوا العقل، بل استخدموه في استنباط الأحكام، وفي فهم النصوص، وفي ربطها بالواقع. لكنهم ظلوا يُدركون أن العقل، مهما بلغ، يبقى محدودًا، وأن الوحي هو الضمانة لعدم الانحراف. في المقابل، التجربة الغربية الحديثة، التي أقصت الوحي، وجدت نفسها أمام تحديات أخلاقية كبرى، حيث أصبح الإنسان هو المعيار، وتعددت المعايير بتعدد الأهواء والمصالح.

ليست القضية في تفضيل أحد المصدرين، بل في إدراك أن الإنسان كائن مركّب، يحتاج إلى نور الوحي ليهتدي، وإلى أدوات العقل ليُدرك. حين يُفهم الوحي بوصفه خطابًا حيًا، لا نصًا جامدًا، وحين يُستخدم العقل بوصفه وسيلة فهم، لا مصدرًا مطلقًا، تتشكل منظومة أحكام تُراعي الإنسان، وتُحاكي الواقع، وتُحافظ على القيم.

إن بناء الأحكام لا ينبغي أن يكون صراعًا بين الوحي والعقل، بل حوارًا بينهما. فالوحي يُعلّم الإنسان كيف يكون، والعقل يُعلّمه كيف يفعل. وبين “الكينونة” و”الفعل”، تتشكل الحياة، وتُبنى المجتمعات، وتُصاغ الحضارات. وكلما اقتربنا من هذا التوازن، اقتربنا من الحق، لا بوصفه حكمًا، بل بوصفه حياة.