رياض سعد
لمن تركض ركض الوحوش في دروب الحياة ومتاهة الوجود … ؟
تسابق الريح لتحصيل المكاسب و تلهث وراء سراب المغانم والنجاحات والانجازات ، تجمع المال من حلال وحرام، كأنك تصنع لنفسك كوكباً صغيراً من الذهب تدور حوله وحيداً … ؛ وتكدّسه فلساً على فلس، ديناراً فوق دينار، ثم تحرسه كما لو كان دمك الذي يجري في عروقك لا مجرد أرقام في دفاتر البنوك …!
تتقشف على نفسك حتى من لقمة العيش، وتؤجل لذائذك كأن العمر بيدك، وكأنك أنت سيد الوقت لا هو سيدك … ؛ ألا تعلم أن الموت يراقبك من وراء الباب، يبتسم ابتسامةً باردة، ينتظر لحظة غفلتك، ثم يهجم عليك كذئب في ليلة مظلمة حالكة السواد ، لا يستأذنك ولا يمنحك فرصة أن تلمس ما ادخرته، ولا أن تتذوق ما جمعت …
نعم الليل يضحك في زاوية غرفتك، والموت يتكئ على عتبة بيتك كراقص صامت يخطو ببطء، ينتظر أن تتعثر أنت لا هو… ؛ وحين تأتي ساعته، يمد يده كأنها مفتاح يفتح قفصك، فتغادر روحك بخفة دخان يتلاشى في سماء غير مرئية… ؛ تظل أموالك جاثمة في الصناديق، تنظر إليك بعيون زجاجية كأنها تقول: كنتَ عبدي لا مالكي، وها أنت تذهب وأنا أبقى.
فيتسلل الدود إلى جسدك ببرود عجيب، يخرج من شقوق الأرض كجوقة راقصة، يلتف حول جسدك وينقره كما لو كان وليمة مقدسة , يلتهمه جزءاً جزءاً، يفتته حتى يصير تراباً، وتمتزج عظامك بالطين الذي منه جئت أول مرة، فلا يظل لك شكل ولا أثر إلا ما زرعته في قلوب الناس من ذكر أو لعنة… ؛ فتعود قطعة من الأرض التي كنت تمشي عليها بكبرياء. يصير وجهك لوحة مشوشة لا يتذكرها أحد إلا في حلم عابر… ؛ واسمك يصير همساً ضعيفاً على شفاه من عرفوك، حتى يبتلعه النسيان.
هنا يتسلل السؤال الأكبر: لماذا كل هذا الجري؟ لماذا كل هذا الكدّ في حقل لن تحصد ثماره؟ أكنت تعتقد أن الحياة ستمنحك معنى مكتملاً إن راكمت الذهب والفضة ؟
أكنت تظن أن الفرح مؤجل إلى حين تنتهي من جمع آخر دينار؟
ها أنت الآن خارج اللعبة، واللعبة مستمرة من دونك.
ألم يكن الأجدر بك أن تمارس جنونك الإنساني الجميل، أن تضحك في وجه العاصفة، أن تنفق درهماً على ابتسامة طفل بدلاً من أن تدفنه في صندوق؟
ألم يكن الأولى بك أن تتذوق الخبز وهو ساخن، أن تعشق، أن تخطئ، أن تصنع خطيئتك الخاصة بدلاً من أن تكون ضحية للعبة الحسابات الباردة؟
الحياة ليست ميزانية سنوية ولا دفتر ديون، إنها سؤال مفتوح لا يجيب إلا بالرقص، بالحب، بالمجازفة… ؛ فخفف حملك قبل أن يخففك الموت رغماً عنك، وشارك الرقصة قبل أن تطفئ الموسيقى وتتركك ظلاً على جدار مقبرة لا يمر بها أحد.
نعم أما كان الأولى بك أن تستمتع بحياتك القصيرة، أن تتذوق خبزك الساخن، وأن تضحك بوجه الريح حتى ترتوي روحك، أن تبذر شيئاً من مالك في قلوب الجائعين وفي دفء الفقراء؟
فالحياة كما اسلفنا ليست خزانة تملؤها بالمعدن الاصفر ، بل هي راقصة سريالية تدعوك أن تشاركها الرقص قبل أن تطفئ المصابيح وتتركك في صمت القبر… ؛ فخفف من حملك، وامنح قلبك فرصة أن يرقص هو الآخر قبل أن تنطفئ الموسيقى... ؛ كأنك تتوهم أن هذه الأكوام الباردة من المعدن الاصفر والاوراق النقدية ستحميك من يد القدر، أو أن الموت سيقرأ ميزانيتك فيؤجل موعد زيارته احتراماً لتعبك...!
نعم الحياة ليست حساباً مصرفياً، بل ساحة دوران، دعوة إلى الرقص في حضرة الخالق… ؛ من أدرك هذا، دار مع الكون كما تدور الكواكب حول شمسها، وألقى عن كتفيه كل ما يثقله، حتى يدخل على الموت كما يدخل العاشق على حبيبته: مبتسماً، متطهراً، مستعداً للقاء.
فإنك مهما ركضت لن تهرب من ساعة الانطفاء، ومهما جمعت لن تحمل معك شيئاً، سوى ما حملته يدك من عمل طيب وما حمل قلبك من نوايا نقية… ؛ فخفف وطأتك على هذه الأرض، واسترح قليلاً قبل أن يستريح منك العالم كله.