حفلة الفناء و رقصة الدود الأخيرة

رياض سعد

إلى أين تركض؟

ومن الذي يطارد من؟

أأنت تطارد الحياة أم أنها هي التي تستدرجك كسرابٍ يتراجع كلما اقتربت منه؟

منذ أن فتحت عينيك على هذا العالم، وأنت تعدو في متاهة لا تعرف نهايتها.. , تجمع الأيام كما يجمع البخيل النقود، وتجمع النقود كما لو أنك تجمع أعماراً إضافية.. ,  تضع ديناراً فوق دينار، وحلماً فوق حلم، وخوفاً فوق خوف، حتى تبني حول روحك قفصاً من ذهب، ثم تسميه نجاحاً.

شيئاً فشيئاً، لم تعد تملك المال، بل صار المال يملكك.

لم تعد تحمل كنوزك، بل صارت هي تحملك إلى حيث تريد.

كنت تظن أنك تبني مملكة، بينما كنت في الحقيقة تبني سجناً واسعاً تتسع جدرانه كل يوم، ويضيق فيه قلبك كل ليلة.

تؤجل الفرح إلى غد، والراحة إلى غد، والحب إلى غد، وحتى نفسك تؤجلها إلى غد، كأنك عقدت اتفاقاً سرياً مع الزمن، وكأن الموت موظف مهذب ينتظر انتهاء أعمالك قبل أن يطرق الباب.

لكن الموت لا يقرأ الجداول.

ولا يحترم المواعيد التي يضعها البشر لأنفسهم.

إنه يجلس في الظل منذ البداية، بهدوء ناسكٍ عجوز، يراقب المسرحية كلها دون أن يتدخل… ؛  يراك وأنت تلهث خلف الأرباح، وأنت تحصي ما جمعت، وأنت تخاف مما قد تخسره، فيبتسم ابتسامة غامضة، لأنه الوحيد الذي يعرف نهاية الحكاية.

وفي ليلة لا تختلف عن سائر الليالي، ينهض من صمته.

لا يصرخ.

لا يهدد.

لا يستأذن.

يمد يده فقط.

فتسقط السنوات من حولك كأوراق شجرة هرمة.

وتخرج روحك من جسدك بخفة دخانٍ ضل طريقه إلى السماء.

عندها يحدث المشهد الأكثر سريالية في الوجود كله.

تبقى الصناديق مغلقة.

تبقى الحسابات مفتوحة.

تبقى المفاتيح في أماكنها.

ويبقى الذهب بارداً كما كان دائماً.

أما أنت، فتكتشف متأخراً أن كل ما كنت تحرسه لم يكن يحرسك.

وأن كل ما كنت تخاف عليه لن يخاف عليك.

كأن الأموال تنظر إلى صاحبها الراحل بعينين من زجاج وتهمس:

“كنتَ تظن أنك سيدي، بينما كنتَ أكثر عبيدي إخلاصاً.”

ثم تبدأ حفلة الفناء.

من شقوق الأرض تخرج الكائنات الصامتة التي لا تعرف الطمع ولا الألقاب ولا الحسابات المصرفية.

يخرج الدود كجوقةٍ كونية جاءت لتؤدي رقصتها الأخيرة حول الجسد الذي ظن نفسه ذات يوم مركز العالم.

يلتف حول اللحم كما تلتف السنوات حول الذاكرة.

ويبدأ تفكيك الوهم قطعةً قطعة.

يتحول الوجه الذي كان مرآة للغرور إلى تراب.

وتتحول اليد التي قبضت على المال إلى غبار.

وتتحول العظام التي حملت الكبرياء إلى طين.

ثم يختفي الشكل كله.

كأنك لم تكن.

كأن الأرض استعادت ما أعطته مؤقتاً.

وكأن الجسد لم يكن سوى استعارة قصيرة بين حفنتين من التراب.

هناك، في ذلك الصمت العميق، يولد السؤال الذي هربت منه طوال حياتك:

لماذا كل هذا الركض؟

لماذا قضيت عمرك تجمع ما سيبقى لغيرك؟

لماذا عشت خائفاً من الفقر حتى افتقرت إلى الحياة نفسها؟

ما جدوى كنوز وأموال لم تمنح قلبك لحظة سلام؟

وما قيمة أرقام ضخمة إذا كان صاحبها قد رحل جائعاً إلى ابتسامة، أو كلمة حب، أو دفء روح؟

في تلك اللحظة تتكشف الحقيقة التي كانت مختبئة خلف ضجيج العالم:

الحياة لم تكن مشروع ادخار.

ولم تكن سباقاً محموماً نحو كومة أكبر من المعدن الأصفر.

الحياة كانت دعوة.

دعوة إلى أن تعيش لا أن تؤجل العيش.

أن تحب قبل أن يفوت الأوان.

أن تضحك حتى في وجه الريح.

أن تكسر شيئاً من جمودك لتمنح الدفء لروح باردة.

أن تزرع أثراً في قلب إنسان بدل أن تدفن ثروة في صندوق.

فالمعنى لا يُختزن.

المعنى يُعاش.

والروح لا تشبع بالذهب.

الروح تشبع بالنور.

الحياة ليست خزنةً تملؤها، بل رقصة كونية يدعوك الخالق إلى المشاركة فيها.

ومن يفهم ذلك لا يمشي فوق الأرض كمالكٍ متغطرس، بل كعابر سبيل يعرف أن كل شيء مستعار.

يعرف أن الجسد أمانة.

والوقت أمانة.

والمال أمانة.

وأن القيمة الوحيدة التي تنجو من حفلة الفناء هي ما منحته لا ما احتفظت به.

لهذا، خفف حملك.

اترك شيئاً من الضوء خلفك.

ووزع شيئاً من خبزك على الجائعين.

وأنفق شيئاً من عمرك في الحب لا في العدّ.

لأن الموسيقى لن تستمر إلى الأبد.

وسوف يأتي اليوم الذي تنطفئ فيه الأنوار، ويُسدل الستار على المسرح، وتبقى روحك وحدها أمام الحقيقة العارية.

عندها لن يسألك الوجود كم جمعت.

بل ماذا أعطيت.

ولن يسألك كم امتلكت.

بل كيف عشت.

فمهما ركضت، ستصل إلى الباب ذاته.

ومهما جمعت، ستعبر فارغ اليدين.

ولن يبقى معك سوى أثر طيب تركته في قلب إنسان، أو دعوة صادقة ارتفعت لك في العتمة، أو نية نقية خبأتها في أعماق روحك.

أما ما عدا ذلك كله، فسيبقى هنا…

يرقص مع الدود في حفلة الفناء الأخيرة.