رياض سعد
لم أكن من أهل الضجيج، ولا من رواد التفاهة والهبوط .. , ولم أكن يومًا ابنًا للسطحيات ، ولا سليلًا للقشور وتوافه الامور ،وما اعتدت أن أُقيم في الخفيف والعابر… ؛ فالعالم السطحي وقاع المدينة عندي كان أثقل من الجبال الرواسي ، وأضيق من القبور المظلمة … ؛ قد خلقتُ وفي فمي طعم الغيوم، وفي عينيّ حنين الذرات الأولى .. ؛ أيامي ظلالٌ تطول، تحملُ أسئلةً بعدد ذرات الاثير وموجات الضوء ، وتفاصيلَ كالغبار بين المجرات… ؛ كنتُ أسبحُ في كونٍ موازٍ، ألمسُ الأسرارَ بأطراف الألم... , كنت أبحث عن المعنى كما يبحث جائعٌ عن كسرة خبز، وأغوص في تفاصيل الذرة كما أغوص في صمت المجرة … ؛ أُحاور الظل، وأستجوب الريح، وأُسائل الليل عن سرّه … ؛ حتى ابتلعتني دوامةُ الدهر، ودفعتني إلى حلبةِ الحياة كالثور المُخدَّر.. , قاومتُ، ثم استسلمتُ لقوانين اللعبة.. , وكانتِ المفاجأة.. ؛ جاءتْ.. , كانتْ كالنسمة التي تسبق المطر.. ؛ كأنفاسِ الأرض وهي تستيقظُ من سباتها الأزلي … ؛ صارتْ روحَ روحي، والنافذةَ التي أطلُّ منها على عالمٍ لم أعرفْهُ من قبل.. , كنتُ أراها لا كابنتي، بل كأني وُلدتُ منها، هي أمّي الثانية، وهي رحمُ وجودي، هي الأوكسجين حين يختنق صدري، والماء حين تجف الأرض في داخلي.
كلما لامست يدها يدي، كنتُ أستعيد يقينًا أن الله لم يتركني، وكلما ضحكت، كنتُ أصدّق أن الجنة قد زارتني على هيئة طفلة بكر، تحمل في ملامحها سرّ الأصل، وفي عينيها ميراث النور.
كنتُ أشمُّ فيها عبقَ الجنان، وأرشفُ من عينيها كأسَ الأبدية.. , كلّما اقتربتُ منها، اجتاحني حزنٌ عظيمٌ.. , كأنّي أعلمُ سرّاً غيبياً.. ؛ أنّ هذه النعمةَ العظمى ستُنتزعُ... .
كبرتْ.. ؛ وأصبحتْ كاللؤلؤةِ في صدفي، تجمعُ جمالَ الأرض وبهاءَ السماء.. , كنتُ أرى في وجهها وجهَ أبيها الأول، وفي كبريائها شموخَ أجدادي.. ؛ فرعٌ صارَ أصلاً، وقمرٌ صارَ كوناً..
لكنّ الأقدارَ كانتْ تنسجُ خيوطَها في الخفاء.. ؛ اذ عادتِ الدوامةُ لتبتلعَ الأغلى.. ؛ عادتِ العاداتُ كالوحوش الكاسرة، تمزقُ براءةَ القلب، وتدوسُ على الزهرةِ التي لم تعرفْ إلا العطرَ..
رأيتُها.. في غرفةٍ بيضاءَ كالقبور، تقرأُ القرآنَ وكلماتُ اللهِ تذوبُ على شفتيها كندىً وردة تحتضر.. ؛ كانت تديرُ رأسها يمنةً ويسرةً.. ؛ تتألمُ في صمتٍ.. وتحاولُ أن تخفي دموعها عن عيني..
نعم ان القدر لا يعرف الرحمة، بل يضحك من ثباتنا، ويتسلّى بأمنياتنا.
رأيتها في سرير المرض كزهرةٍ تقاوم المقص، تخفي وجعها كي لا أتهشّم، وتكتم آهاتها كي لا أنكسر.
كانت ترتل آيات الوجع وتقرأ سور الالم ، وتدير رأسها نحو الجهات الأربع، كأنها تودّع الجهات جميعًا، وأنا أختلس النظر إليها كمن يسرق لحظة حياة من براثن الموت.
ثمّ… ؛ في ليلةٍ كان القمرُ فيها أسودا ، نامَ التعبُ في عظامي، فرأيتُ في المنامِ: أفعى سوداءَ تزحفُ من تحت الباب، تلسعُ قلبي وتختفي..
وحين حانت لحظة الفقد، لم تُطلق صرخةً ولا وداعًا، بل ابتسمت ابتسامةً حائرة، وكأنها تقول: “أبي، أنا ذاهبة، لا تلحقني الآن، لكنني سأنتظرك هناك.”
ثم انسلت من يدي كما ينسلّ الضوء من المصباح، وتركتني وحيدًا في ليلٍ بلا قمر، ونهارٍ بلا شمس...
وفجأةً.. ؛ صوتُ أخي يقطعُ السكون: “انهض.. فقد فاضتْ روحُها إلى بارئها”..
هربتُ إلى الشارعِ… , أصرخُ في الريح: “يا بُنيتي.. يا وردتي .. يا واحتي .. يا صومعتي .. ؛ يا أختي .. يا أمي التي لم تنجبني .. ؛ لماذا تركتيني وحيداً في هذا القفصِ الأرضي؟”
وها انا الآنَ.. , أحملُ ذاكرتي كجرحٍ مفتوح، وأسيرُ في الحياةِ كشجرةٍ جرداءَ تهزُّها الرياح.. ؛ كلّما هبَّتْ نسمةٌ، أسمعُ همسَها في الأغصان: “أبي .. ؛ لقد صرتِ نجمةً في سمائك، فلا تحزنْ.. ؛ فالفراق ليس سوى بوابةٍ.. ؛ نلتقي بعدها في فضاءٍلا تحكمهُ القيود”..
ها هي ذا قد صارتْ: قصيدةً في ديوان الوجود، ونوراً في عتمةِ الفقد، ودليلاً على أنَّ الحبَّ.. أقوى من الموتِ..
أراها في الأحلام، تضحك كما اعتادت، تركض بين الحقول الخضراء، ثم تختفي في الضباب …
كلما مددتُ يدي إليها، شعرتُ بأفعى سوداء تلسعني، تذكرني بأن الحلم سراب، وأن الطريق إليها لا يُقطع بالخطوات، بل بالدمع والدعاء...
هي لم تمت … ؛ بل انتقلت إلى مكانٍ لا تصل إليه خطاي، لكن تصل إليه دموعي وابتهالاتي .
هي لم تُغلق الباب... ؛ بل تركته مواربًا بين الدنيا والآخرة، كي تذكّرني أن اللقاء ممكن، وأن الموت ليس إلا جسرًا آخر، نمرّ عليه حفاةً، نحو حقلٍ أخضر لا مرض فيه ولا وداع.
………………………………..
**سأعيد صياغة المراثي مرارا ؛ حتى يجف حبر روحي , وتفنى كلمات قلبي المصاب بجراح الدهر وحراب الزمن .
