حين يكون العذر أقبح من الفعل

كامل سلمان

العذر أقبح من الفعل مثل قديم ، يقال بأن هارون الرشيد سأل البهلول عن تصرف يكون فيه العذر أقبح من الفعل فجاء البهلول ومد يده على دبر هارون الرشيد فغضب الخليفة من البهلول على تصرفه فصاح البهلول معذرة يا أمير المؤمنين ظننتها مؤخرة زوجتك السيدة زبيدة فلم يتمالك هارون الرشيد غضبه لكن البهلول سارع إلى تذكير الخليفة بأن هذا ما طلبته مني بأن يكون العذر أقبح من الفعل ، فضحك الرشيد على نبوغة عقل البهلول ، ويقال بأنه الشاعر أبو نؤاس وليس البهلول . المقال متعلق بنفس الفكرة لكن هناك مجموعة أمثلة سنمر عليها كمدخل للموضوع ، في جلسة عشائرية بين عشيرتين لأخذ الدية ، يسأل شيخ العشيرة القادم من محافظة نينوى إلى محافظة بغداد لدفع الدية أو الفصل يسأل هذا الشيخ شيخ العشيرة المضيفة لماذا ندفع لكم الدية ؟ ما هو الذنب الذي جنيناه ؟ لماذا قمتم بتهديد أولاد عمومتي بالقتل مالم ندفع لكم الدية ؟ أجاب شيخ العشيرة المستضيف شارحاً السبب بالقول كان ولدنا يقود سيارته على الطريق الخارجي بين بغداد والموصل ففقد السيطرة على سيارته فأنحرفت سيارته عن الشارع العام وخرجت من خلال الجزرة الوسطية إلى الشارع الثاني أي شارع الذهاب الذي يفصله عن شارع الإياب جزرة وسطية بعرض عشرة أمتار تقريباً فكانت سيارتكم المركونة بعيداً عن الشارع العام في الجانب الأخر سبباً لأعتراض سيارة ولدنا التي فقد السيطرة عليها مما أدى إلى الإصطدام وتحطم السيارتين معاً فتسبب بوفاة ولدنا ، فلولا سيارتكم المركونة في ذلك المكان لما مات ولدنا لذلك نحملكم مسؤولية وفاة ولدنا . هنا سكت الشيخ القادم من الموصل ثم قال هل تريد أن تقنع نفسك وتقنعنا وتقنع الناس بأن خطأ ولدكم يتحمله الأخرون ؟ أنكم تفكرون عكس المنطق ، فإذا كان تفكيركم بهذا المستوى سندفع الدية ونتحمل خسارة تصليح سيارتنا ونمضي إلى سبيل حالنا لأن الأمور أصبحت تقاس بما لا يعقل .. المثال الأخر ، قبل عدة سنوات قمت أنا شخصياً ببيع قطعة أرض سكنية لمكتب دلالية عقارات فتواعدنا على توقيع عقد البيع واستلام مبلغ البيع في اليوم التالي داخل المكتب ، وفعلاً ذهبت في اليوم التالي مصطحباً معي أخي وأبن عمي لأن المبلغ كان كبيراً فخشيت على نفسي وعلى المال الذي سأستلمه بعد توقيع العقد ، وعند وصولنا إلى مكتب الدلالية لتوقيع عقد البيع تفاجأت بأن صاحب المكتب يسألني من هؤلاء الأشخاص الذين ينتظرون خارجاً ( يقصد أخي وأبن عمي ) فأجبته هؤلاء معي لحمايتي حين أغادر مكتبك بعد استلام مبلغ البيع فقام غاضباً وهو يصرخ ( هذا تهديد لي ) فقلت وما علاقتك بهم ، فأخذ يكرر هذا تهديد وأنا أرفض توقيع العقد ، وجود هؤلاء تهديد لي . استغربت من ردة فعله غير المبرر لكنني حينها تيقنت بأن هناك بعض الناس يريدون إقناعك بطريقة تفكيرهم حتى وأن كان خطأ بأنهم يفكرون صح ، إلى أن تدخل بعض أصحاب المحلات المجاورة مستغربين من غضب صاحب المكتب موبخينه على تصرفاته غير المبررة .. أصل القضية هي مشاكل منطقة الشرق الأوسط ليس للعراق دخل فيها لا من بعيد ولا من قريب لكنه يحشر نفسه فيها تحت ذرائع وهمية هو يختلقها لنفسه ليجعل نفسه في قلق وتوتر دائم مستنفراً قواه متوسلاً بهذا وذاك خوفاً من الاستهداف ثم يصرخ نحن مستهدفون تأتينا النكبات والمصائب ظلماً وعدواناً ، فمثلاً لبنان للبنانيين وسوريا للسوريين ما شأننا أن نتدخل بشؤونهم ونحسب لهم حسابات في الخيال مع العلم الحكومة السورية أمام مشاكل داخلية وخارجية وتحت أنظار المجتمع الدولي والدول العظمى وإسرائيل تحتاج لعشرات السنين لحلها فمالنا منهكون بما تخطط وما تفكر وما ستفعله الحكومة السورية التي وصلت إلى الحكم وسوريا تحت الرماد ؟ ومثال أخر هناك من يحاجج حول الحرب مع إسرائيل ويدعي بأن العراق يجب أن يكون طرفاً فيها ويبرر ذلك بأن العراق لم يوقع معاهدة سلام مع إسرائيل فهو في حالة حرب . هذا المنطق هو نفس منطق صاحب مكتب الدلالية وهو نفس منطق شيخ العشيرة المستضيف في بغداد لأن صاحب هذه المحاججة نسي بأن العراق الذي هو في حالة حرب مع إسرائيل قد سقط و مرُغت كرامته بالوحل تحت الاحتلال في العام 2003 م وأنتهى ذاك العراق الذي أراد أن يكون عنتر زمانه ، أما العراق الجديد العليل غير ملزم بما فعله الأولون وعليه أن يبقى بعيداً عن الحروب ليعيد عافيته فهو لم يشفى بعد من جروحه فقد عمدت الدول التي حاربت إسرائيل وهي صاحبة الشأن بأمورها وبالقضية الفلسطينية لأنها مجاورة لإسرائيل وقد احتُلت أراضيها إلى توقيع معاهدات سلام مع إسرائيل ودول إسلامية وعربية أخرى إقامت علاقات مع إسرائيل لتتفرغ في بناء نفسها وتحفظ كرامة شعوبها وتنأى ببلدانها عن الشر ، العراق لم يكن في يوم من الأيام طرفاً ولم يحتل أرضه من قبل إسرائيل ولم تربطه جغرافية بإسرائيل ولا بأوكرانيا ولا بأذربيجان وهو بلد منهك يريد الحروب بعذر شبيه للأعذار التي نسمعها يومياً لمشاكل هذا البلد . والله ما سمعت مشكلة سواء أكانت عشائرية أو قانونية أو جنائية أو سرقات في هذا البلد إلا وكان العذر أقبح من الفعل .

Kamil.salman@gmail.com