بين الحلم واليقظة: حين يتكلّم اللاوعي بلغته السرّية

رياض سعد

*مدخل: الحلم كصوت خفيّ للنفس

كثرة الأحلام ليست صدفة عابرة في ليالي الإنسان، بل هي نوافذ متكرّرة يفتحها العقل الباطن ليطلّ منها على فضاءٍ لا يحدّه وعيٌ ولا يقيده منطق. فالأحلام هي اللغة السرّية التي يتحدث بها العمق الإنساني، حين يعجز اللسان عن النطق، ويخجل الوعي من البوح.

*النفس في حوارها الليلي

حين تتكاثر الأحلام في منامك، فاعلم أن نفسك في حالة حوارٍ خفيّ مع ذاتها. إنها تُراجع ملفاتها القديمة، وتُعيد ترتيب مشاعرها، وتُخرج ما دفنته طويلًا تحت رماد الانشغال والخوف والتأجيل.

فالعقل لا يصمت أبدًا، حتى حين تنام الأجساد؛ إنه يستمر في سرد قصصه، لكن بصورٍ ورموزٍ لا يفكّ شيفرتها إلا من تدرّب على الإصغاء لصوت الداخل.

*البعد النفسي والعصبي للأحلام

من منظور علم النفس، تُعدّ كثرة الأحلام انعكاسًا لحالةٍ من فرط النشاط الذهني والوجداني، حيث لا يهدأ الدماغ حتى في لحظاته المفترضة من السكون.

فالأحلام هنا ليست مجرد صورٍ عشوائية، بل محاولات مستميتة من العقل لترميم ذاته، وترجمة ما يعجز عن ترتيبه في النهار. إنها عملية تنظيف روحي، أشبه بما يقوم به القلب حين يفيض بالمشاعر التي لم تجد طريقها إلى الكلام.

*الرؤية الفلسفية: الحلم كيقظةٍ أخرى

على المستوى الفلسفي، يمكن للأحلام الكثيرة أن تكون إشارة إلى يقظةٍ أعمق. فكلما ازدادت أحلامك، ازدادت احتمالات أن نفسك ترفض الركود، وأنها تبحث عن طريقٍ يربط بين ما هو ظاهر وما هو خفيّ.

فالحلم ليس هروبًا من الواقع، بل مواجهةٌ له بوجهٍ آخر؛ إنه الواقع حين يتحرّر من الجاذبية الأرضية.

*الذين يحلمون كثيرًا

الذين يحلمون كثيرًا هم أولئك الذين يفكرون أكثر مما يعبّرون، ويشعرون أكثر مما يُقال. أرواحهم مثقلة بالتفاصيل، وأذهانهم مزدحمة بما لا يُقال علنًا.

ولذلك تتكفّل الأحلام بقول ما لا يُقال، وتعيد رسم ما شُوّه في الوعي. وربما لهذا السبب، يستيقظ بعض الناس منهكين بعد نومٍ طويل، لأنهم قضوا الليل في معارك رمزية لا تقلّ قسوة عن صراعات النهار.

*خاتمة: الحلم بوصفه مرآة الوجود

الأحلام المتكررة ليست مرضًا، بل علامة حياةٍ داخليةٍ نشطة، وإشارة إلى أنّ فيك عالَمًا كاملًا لا ينام.

وربما تكون أكثر صدقًا من الواقع نفسه، لأن الحلم لا يعرف التمثيل ولا الأقنعة؛ إنه المرآة التي يرى فيها الإنسان صورته الأصلية قبل أن تُخفيها ضوضاء النهار وأقنعة المجتمع.

وفي النهاية، فإن كثرة الأحلام ليست مجرد ظاهرة نفسية، بل نصّ إنساني متجدّد يكتبه اللاوعي كل ليلة بحبرٍ من الرمز والحنين والخوف والرغبة.

ومن يدرك لغتها، يكتشف أن بين الحلم واليقظة خطًّا رفيعًا لا يُفصل، وأن النوم ليس نقيض الحياة، بل امتدادٌ آخر لها… أكثر صدقًا، وأعمق سرًّا.