الكرسي لا يصنع القائد… واللافتة لا تغطي العيب

حسين شكران الأكوش العقيلي

في زمنٍ صار فيه الترشح للبرلمان متاحًا لكل من امتلك لافتة وابتسامة مصطنعة، نواجه ظاهرة مقلقة تتكرر كل دورة انتخابية؟ مرشحون بلا خلفية أخلاقية، بلا تجربة حقيقية، وبلا محتوى يرتقي إلى مستوى المسؤولية. يتصدرون المشهد بلوحات ضخمة وشعارات رنانة، لكنهم يفتقرون إلى أبسط مقومات القيادة، وكأن الكرسي وحده كفيل بصناعة القائد، وكأن اللافتة قادرة على ستر العيب.

القيادة ليست منصبًا يُشترى، ولا صورة تُجمّل، بل هي موقف، وسلوك، وتاريخ من العمل الصادق. من يفتقر إلى الأخلاق في سلوكه اليومي، لن يكتسبها بمجرد دخوله البرلمان. ومن لا يحمل في فكره مشروعًا، لن يخلقه فجأة حين يُنتخب. فالمحتوى الهابط الذي يقدمه بعض المرشحين لا يُعبّر عن أزمة فردية، بل عن خلل في فهم الوظيفة العامة، وعن تراجع في معايير الاختيار الشعبي.

حين يتحول الخطاب الانتخابي إلى استعراض أجوف، تغيب فيه القيم، وتُستبدل فيه الرؤية بالتهريج، يصبح الناخب أمام خيار صعب: هل يصوّت لمن يصرخ أكثر؟ أم لمن يفكر أعمق؟ وهل يختار من يُجيد التجميل، أم من يُجيد التحليل؟ هذه الأسئلة لا تُطرح عبثًا، بل تنبع من واقعٍ بات فيه بعض المرشحين يراهنون على ضعف الذاكرة الجماهيرية، وعلى قدرة الصورة على إخفاء العيب، ولو مؤقتًا.

اللافتة لا تصنع المصداقية، وإن كبرت. والكرسي لا يمنح الهيبة، إن لم يكن الجالس عليه أهلًا لها. فالمحتوى الهابط لا يُقنع، والخطاب الفارغ لا يُلهم، والمرشح الذي لا يملك إلا صوته العالي، لا يستطيع أن يُدير دولة أو يُشرّع قانونًا. إننا بحاجة إلى إعادة تعريف من هو القائد، ومن هو المرشح الحقيقي، بعيدًا عن الضجيج، وبعيدًا عن ثقافة التجميل السياسي.

الناخب الواعي لا يُخدَع بالمظاهر، ولا يُغريه البريق المؤقت. هو يبحث عن من يحمل قضية، لا من يبيع شعارًا. عن من يملك سجلًا من النزاهة، لا من يملك أرشيفًا من الفضائح. ولهذا، فإن مسؤولية التصحيح تبدأ من الناس، من الوعي الجمعي، من رفض المحتوى الهابط، ومن محاسبة من يستخف بعقولهم.

البرلمان ليس مكانًا لتجريب الحظ، ولا منصة لتصفية الحسابات الشخصية. إنه بيت الشعب، وصوت القانون، ومحراب العدالة. ومن لا يملك أخلاقًا تؤهله لتمثيل الناس، لا ينبغي أن يُمنح فرصة للجلوس على كرسيهم. فالقائد يُصنع من المواقف، لا من المقاعد. والعيب لا يُغطى بلافتة، بل يُكشف حين يُسلّط الضوء على الحقيقة.

ختامًا، لا بد أن نرفع الصوت عاليًا: كفى تزييفًا، كفى تهريجًا، كفى تسويقًا للفراغ. نريد مرشحين يحملون فكرًا، لا صورًا. نريد قادة يصنعون الكرامة، لا يتاجرون بها. فالوطن لا يُبنى بلا أخلاق، والبرلمان لا يُنهض بلا محتوى، والكرسي لا يصنع القائد… إن لم يكن القائد قد صُنع قبل أن يجلس عليه.