تشرين.. لم تقتل الطائفية بل أنعشتها..!

ضياء ابو معارج الدراجي

لم تكن اللافتة التي كُتب عليها “انتقلت إلى رحمة الله تعالى الطائفية” سوى كذبة سوداء رفعها مخدوعون ومأجورون ظنّوا أن شعاراتهم ستغيّر وجه العراق، لكنها في الحقيقة كانت إعلانًا صريحًا عن ولادة طائفية جديدة، أشد قبحًا وأكثر خبثًا من سابقاتها. تشرين لم تقتل الطائفية، بل نفخت فيها الروح وأطلقتها تجوب الشوارع تحت راية “التحرر”، فدمرت محافظات الشيعة وحدهم، وأغلقت مدارسهم ودوائرهم ومحطاتهم، بينما بقيت مناطق السنة والأكراد آمنة مطمئنة تمارس حياتها اليومية وكأن الخراب لا يعنيها. في الرصافة والبصرة وميسان وواسط وذي قار اشتعلت النيران، أما الكرخ والأنبار وأربيل فنامت على ضوء الكهرباء المستمر وهدوء الأمن المستتب. تلك ليست ثورة، بل عملية تصفية ممنهجة ضد المكوّن الذي ضحّى وحرّر العراق من الإرهاب بدمه وفتواه وحشده.

من يرفع شعار “لا شيعة لا سنة” يريد في الحقيقة شيعة بلا هوية وسنة بلا حساب وأكرادًا فوق الجميع. أسقطوا الحاكم الشيعي بالتحريض والتآمر وركعوا تحت أقدام رئيس الجمهورية الكردي ورئيس مجلس النواب السني، ثم عادوا ليبكوا على وطنٍ جعلوه ساحة لتصفية الحسابات.

قبل ٩ نيسان ٢٠٠٣ كانت الطائفية ضد الشيعة معلنة، يتزعمها الدكتاتور السني صدام حسين بآلة القتل والسجون والمقابر الجماعية، وبعد سقوطه تولّى القتلة الجدد من القاعدة والجيش الإسلامي الراية نفسها بفتاوى التكفير، بينما كانت المرجعية الشيعية تدعو أتباعها إلى الصبر وكظم الغيظ حتى فُجّر ضريح العسكريين عام ٢٠٠٥، فثار الشيعة دفاعًا عن أنفسهم ومقدساتهم.

وحين تمرّدت المحافظات السنية عام ٢٠١٣ ضد الحاكم الشيعي، خرجت من بين صفوفها نواة داعش التي ذبحت العراقيين جميعًا، وكسرها الحشد الشعبي بفتوى المرجعية ودماء أبناء الجنوب، لكن نكران الجميل عاد بثوب تشرين، فاستُهدف الحشد وشيطن الشيعة من جديد تحت لافتة “الثورة”. وأكثر من نصف شهداء تشرين كانوا من البسطاء المخدوعين، قُتلوا برصاص من حرضهم ومن تاجر بدمائهم، ليصبحوا وقودًا لمشاريع السفارات وقنوات الخارج.

من يريد أن يعرف وجه الطائفية الحقيقي فلينظر إلى ما بعد تشرين: مدن الشيعة محروقة، شوارعهم مدمّرة، مؤسساتهم مغلقة، بينما الشمال والغرب ينعم بالأمن والعمل والرواتب. هذه ليست صدفة، بل خطة مرسومة بدقة لإعادة الشيعة إلى خانة الاتهام، وإعادتهم إلى الصمت الذي عاشوه قبل ٢٠٠٣.

تشرين لم تكن ثورة وعي، بل مشروع اختراق خبيث أُدير من الخارج وسُوِّق من الداخل بأيدي مأجورين. من رفع راية “موت الطائفية” كان أول من زرعها من جديد في قلب العراق. واليوم نقولها بوضوح: الطائفية لم تمت… بل تغيّر اسم قاتلها، وبقي دم الشيعة هو الحبر الذي يُكتب به تاريخ الخداع.

ضياء ابو معارج الدراجي