ضياء المهندس
يقولون إن الأرض لمن يزرعها، لكن في العراق الحديث صارت الأرض لمن “يُزكّيه الوزير” أو “يُباركه الحزب”!
فبعد أن كان عبد الكريم قاسم يوزع دورًا جاهزة على الفقراء في أقل من خمس سنوات حكم، صارت حكومات اليوم تحتفل بإنجازها التاريخي: “منح المستثمرين أراضي بالمجان، مع قروض بلا فائدة، وإعفاءات من الضرائب، وحبّة دعاء من البنك المركزي”!
أما المواطن، فله أيضاً نصيبه من الكرم الحكومي…
قطعة أرض مساحتها (٢ متر × ٣ متر) في المقبرة العامة، مع وعد بتوفير “ممر إسمنتي” من أموال تنمية الأقاليم!
زمن عبد الكريم قاسم: بيتك حلم مشروع
في الخمسينات والستينات، المواطن كان يستلم مفتاح بيته مثلما يستلم بطاقة تموينية.
الحكومة آنذاك لم تكن تعرف شيئاً اسمه “مستثمر استراتيجي”، بل كانت تؤمن أن السكن حق، وليس مشروع ربح.
أما اليوم فالمواطن يُطالَب بأن “يستثمر في نفسه”… أي ينام في الشارع بكرامة، لحين قدوم موسم الانتخابات!
النظام السابق: توزيع أراضي على الموظفين والعسكر
مهما كانت تحفظات الناس على النظام السابق، إلا أن الحقيقة المؤلمة تقول:
كانت هناك قطعة أرض، وكتاب تخصيص، وأمل بالبناء.
اليوم المواطن يراجع الدوائر فيُقال له:
“الأراضي انتهت… كلها استثمار سياحي!”
ثم تكتشف لاحقاً أن الاستثمار السياحي عبارة عن “مول حزبي” على أرض زراعية محاطة بـ10 حمايات و3 خطوط كهرباء مسروقة!
الحكومة الحالية: المستثمر ابن الحكومة المدلل
الحكومة الآن لديها خطة عبقرية: بدل أن توزع الأراضي على 40 مليون مواطن، توزعها على 40 مستثمراً من أصدقاء السلطة، ليبيعوها لاحقاً لنفس المواطنين بأقساط ربوية من بنوك “مدعومة”.
وهكذا تتحقق العدالة الاجتماعية…
الغني يأخذ الأرض، والفقير يأخذ القرض!
البنك المركزي: منحة بلا فائدة… لكن لمستثمر فقط
المستثمر يحصل على قرض بدون فائدة، وبدون كفيل، وبدون تعب، وبدون خجل.
أما المواطن البسيط، فإذا أراد قرضاً لبناء غرفة، فعليه أن يأتي:
– بكفالة موظفين اثنين،
– وتقرير من دائرة العقارات،
– وشهادة حسن سلوك من “مختار الكوكب”،
ثم يقال له:
> “راجع بعد الانتخابات، يمكن يصير عندنا برنامج إسكان وطني.”
بلديات العراق: تزرع الشوك وتروي الحصى
البلديات تشتكي من قلة التخصيصات، لكنها تملك ملايين الأمتار من الأراضي المهجورة.
وعندما تسألهم: “ليش ما توزعوها على المواطنين؟”
يبتسم المدير ابتسامة بيروقراطية ويقول:
“ما عدنا بنى تحتية.”
وكأن المواطن طلب مطاراً دولياً، لا مجرد أرض يسكنها بيده!
المواطن العراقي: يعيش على “أرض الله الواسعة” نظرياً فقط
اليوم المواطن بين خيارين:
إما يسكن بالإيجار عند صاحب البيت الذي يرفع الإيجار كل سنة.
أو يبني “بيت طابوق طيني” في منطقة عشوائية، فيُهدَّم بحجة أنه مخالف للتصميم الأساس.
وفي كلتا الحالتين، تبقى الأرض العراقية خصبة فقط لـ”المحسوبية”.
مقارنة دولية… موجعة
في سنغافورة، الحكومة بنت بيوتاً لمواطنيها حتى صار 90% منهم يملكون مساكن.
في فيينا، البلدية توزع الشقق بالإيجار الرمزي.
أما في العراق، فالمواطن يملك شيئاً أعظم من كل ذلك:
بيان نوايا حكومية لتوزيع الأراضي “قريباً جداً” منذ سنة 2003!
الخلاصة
العراق بلد غني بالأراضي، فقير بالإرادة.
الحكومات تتبدل، والشعارات تتكرر، والمواطن ما زال “ينتظر التخصيص”.
ربما سيأتي يوم تُوزَّع فيه الأراضي فعلاً،
لكن على المريخ… بعد أن يستثمرها “مستثمر من حزب رئيس الوزراء”!
البروفسور د .ضياء واجد المهندس
رئيس مجلس الخبراء العراقي