رسالة إلى الخليفة الرابع علي بن أبي طالب لماذا لا تحاسب من استباحوا العراق باسمك؟

أيها الخليفة الرابع، يقول أتباعك الشيعة إنك رمز العدل المطلق، وإنك لا تساوم على الحق، وإنك كنت تحاسب المقربين قبل عامة الناس. لقد أصبحت العدالة التي تُنسب إليك معيارًا يُستشهد به في الخطاب الديني والسياسي، ويُرفع في المنابر والكتابات، ومع ذلك يواجه العراقيون واقعًا مختلفًا تمامًا، حيث يُستخدم اسمك كغطاء رمزي لسلطة سياسية ودينية لم تنتج إلا مزيدًا من الأزمات.

لماذا لا تحاسب من استباحوا العراق باسمك، بينما تحوّل اسمك إلى جزء ثابت من شرعية الحكم، في حين يعيش المواطن بين فساد متجذر، وانهيار في الخدمات، وتراجع خطير في مؤسسات الدولة، وغياب فعلي للمحاسبة؟

منذ أكثر من ثلاثة وعشرين عامًا، تُدار الدولة العراقية بقوى سياسية ودينية تتحدث باسمك أو تستمد شرعيتها من حضورك الرمزي في الوعي الديني٫لكن النتائج على الأرض تكشف نموذجًا مختلفًا تمامًا: دولة محاصصة، فساد مالي واسع، تضخم في نفوذ الأحزاب، وقرارات تُدار بمنطق المصالح لا بمنطق الدولة.

الأخطر من ذلك أن المال العام أصبح ساحة تأويلات دينية وقانونية، حيث تُستخدم فتاوى واجتهادات مثل “مجهول المالك” وغيرها لتبرير التصرف بأموال الدولة خارج رقابة حقيقية، في وقت يُفترض فيه أن العدالة التي تُنسب إليك تقوم على حماية الحقوق وردع الظلم بلا استثناء.

في هذا السياق، برز نفوذ رجال الدين في النجف وقم، حيث تتداخل المرجعية الدينية مع القرار السياسي بشكل مباشر أو غير مباشر، وتتشكل شبكات تأثير تمتد إلى داخل مؤسسات الدولة العراقية. ويطرح ذلك سؤالًا صريحًا: إذا كانت العدالة هي الأساس الذي يُنسب إليك، فلماذا لا تنعكس على من يمارسون السلطة باسم هذا الإرث الديني؟

ومن التناقضات الأكثر إثارة أن بعض وكلاء المرجعيات الدينية، وعلى رأسهم وكلاء السيستاني، أنشأوا نفوذًا واسعًا قائمًا على إدارة المزارات وقبور الأئمة، وتحولت هذه المواقع إلى مراكز قوة مالية وإدارية وسياسية، أشبه بدويلات داخل الدولة. هذا النفوذ لم يعد رمزيًا، بل أصبح جزءًا من معادلة السلطة والمال والتأثير داخل العراق، في وقت يتراجع فيه دور الدولة المركزية.

أيها الخليفة الرابع، لا يقف الأمر عند هذا الحد، فبعض الخطابات الدينية تنسب إليك مقامًا استثنائيًا في العدل ونصرة المظلوم، وتقدمك كرمز يتجاوز البشر في قوة الحق٫لكن الواقع السياسي لا يعكس أي ترجمة لهذه الصورة في محاسبة من استغلوا اسمك أو جعلوا من رمزيّتك وسيلة لتثبيت سلطتهم.

إن ما يجري في العراق اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل بنية سياسية كاملة تتغذى على الرمزية الدينية، وتعيد إنتاج السلطة عبر اسمك، بينما تهمش مؤسسات الدولة، ويضعف القانون، ويُترك المواطن وحيدًا أمام منظومة فساد معقدة ومتشابكة.

والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: كيف يمكن لاسم يُقدَّم كرمز أعلى للعدل أن يُستخدم في نظام سياسي يعاني من غياب العدالة نفسها؟ ولماذا لا ينعكس هذا الإرث الذي يُنسب إليك على واقع المحاسبة، بدل أن يتحول إلى غطاء سياسي دائم؟

العلاقة بين بعض القوى الدينية والسياسية في العراق مع قوى إقليمية نافذة، وفي مقدمتها إيران، أضافت طبقة أخرى من التعقيد، حيث أصبحت قرارات الدولة جزءًا من توازنات خارجية داخلية، بدل أن تكون تعبيرًا عن إرادة وطنية مستقلة. وهذا يطرح سؤالًا إضافيًا حول مفهوم العدالة نفسه في سياق تُدار فيه الدولة عبر نفوذ متعدد الاتجاهات.

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: إذا كانت العدالة التي تُنسب إليك حقيقية كما يُقال، فلماذا لا تُترجم إلى محاسبة واضحة لمن استباحوا العراق باسمك؟ ولماذا يستمر استخدام اسمك كرمز للشرعية السياسية، بينما الواقع يعاني من انهيار مستمر في العدالة، واضمحلال الثقة بالدولة، وغياب للمحاسبة؟

إن العراقيين اليوم لا يناقشون التاريخ بقدر ما يواجهون واقعًا سياسيًا يُدار باسم التاريخ، بينما تبقى نتائج هذا الواقع بعيدة كل البعد عن العدالة التي يُفترض أنها جوهر هذا الاسم.

علي جاسم ياسين