ضياء ابو معارج الدراجي
في كل زمنٍ يظهر المنافقون بثيابٍ جديدة، يحاولون من خلالها تلميع مواقفهم المتناقضة وتجميل عداوتهم للحق تحت غطاء النفاق اللفظي والمراوغة الفكرية. واليوم، تتجلى هذه الظاهرة بوضوح في خطاب بعض الساسة والإعلاميين الذين يرددون العبارة الخادعة: «نحن لا نكره الحشد، بل نكره قياداته».
كأنهم يريدون أن يُفَرِّقوا بين الجسد وروحه، وبين الفكرة وحامليها، وبين السيف ويد المقاتل التي تمسك به.
الحشد الشعبي ليس مؤسسةً عابرة أو مجموعة أفرادٍ بلا رابط، بل هو عقيدة وطنية وفتوى إيمانية تشكلت استجابةً لنداء المرجعية حين داهم الخطر ارض الوطن ومقدساته.
فالحشد وقياداته وجهان لعملةٍ واحدة؛ الأول هو الميدان، والثاني هو الرؤية والتخطيط والتضحية بالقرار قبل الدم.ومن يفصل بينهما، إنما يحاول ضرب الروح بالنية، والجسد بالعقل، ليُفَرِّغ الانتصار من معناه ويزرع الشك بين الصفوف.
يقول المنافقون: «نحب الحشد ونحترم تضحياته، لكننا ضد قادته».
وكأنهم بذلك يخففون من حدة عداوتهم، أو يموّهون أهدافهم الحقيقية التي تنبع من كرههم للخط المقاوم والموقف السيادي الرافض للهيمنة الأجنبية.
هذه اللغة الملتوية ليست حبًا بالحشد، بل محاولة لسلخ روحه عن جسده، واستبدال قادته الشرفاء بمن يرضخ لإرادة الخارج.
لقد وصف الله أمثال هؤلاء وصفًا دقيقًا في قوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾
فهؤلاء المنافقون الذين يحاولون أن يقولوا “نؤمن بالحشد ونكفر بقياداته” لا يختلفون عن أولئك الذين قالوا “نؤمن ببعض ونكفر ببعض”، لأن جوهر المسألة واحد: محاولة تفريق ما جعله الله واحدًا.
لم يُبنَ الحشد على المصالح أو المناصب، بل على دماء الشهداء الذين لم يسألوا عن الرتبة ولا عن المنصب حين نادتهم الفتوى. قياداته من ميادين النار لا من مقاهي السياسة، رجال خبروا الموت حتى وهبوا الحياة لغيرهم.
فمن يكره هؤلاء، لا يكره الأشخاص بل يكره القيم التي يمثلونها: الإيمان، التضحية، الاستقلال، ورفض التبعية.
لذلك من يحاول التفريق بين الحشد وقياداته كمن يحاول فصل الرأس عن الجسد ثم يدّعي أنه يريد الحفاظ على الحياة.
الحشد الشعبي هو روح العراق وسياج سيادته، وقياداته المخلصة هي العقل الذي وجّه تلك الروح نحو النصر.
فليعلم المنافقون أن التاريخ لا يرحم من خان دماء الشهداء، وأنّ محاولاتهم ستنتهي كما انتهت كل مؤامرةٍ سبقتهم: بالفضيحة والخزي، لأن الله تكفّل بفضح من قالوا: نؤمن ببعضٍ ونكفر ببعض.
ضياء ابو معارج الدراجي