أزمة الأخلاق في المجتمعات المعاصرة: دراسة مقارنة بين الانحدار القيمي وتحديات البناء السلوكي

بقلم: حسين شكران الأكوش العقيلي
كاتب ومؤلف، حاصل على ماجستير في الفقه المقارن والقانون العام الإسلامي
في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الاجتماعية والتكنولوجية، تبرز أزمة الأخلاق كأحد أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة. لم تعد المسألة مقتصرة على مظاهر الانحلال الفردي، بل أصبحت أزمة بنيوية تمس الضمير الجمعي، وتنعكس في الخطاب العام، والسلوك السياسي، والعلاقات الاقتصادية. وبينما تتباين المجتمعات في جذورها الثقافية والدينية، إلا أن مظاهر التراجع القيمي تكاد تكون مشتركة، مما يستدعي دراسة مقارنة تكشف عن الأسباب العميقة، وتستعرض نماذج من محاولات الإصلاح الأخلاقي، سواء في السياق العربي الإسلامي أو في التجربة الغربية الحديثة.
الأخلاق ليست مجرد منظومة من القواعد السلوكية، بل هي انعكاس لعمق الوعي الإنساني، وتجسيد للقيم التي تحكم علاقة الإنسان بذاته وبالآخرين. تتنوع الرؤى حول تعريف الأخلاق بين الفلسفة التي تراها نتاجًا للعقل الجمعي، والدين الذي يعتبرها امتدادًا للوحي الإلهي، والاجتماع الذي يربطها بالثقافة والبيئة. وتنقسم فردية تتعلق بالسلوك الشخصي كالصدق والأمانة، وأخلاق جمعية تشمل القيم التي تحكم العلاقات العامة كالعدالة، والاحترام، والتكافل.
تتجلى الأزمة الأخلاقية في صور متعددة، منها تفشي النفعية حيث تُقاس العلاقات والمواقف بميزان المصلحة لا المبادئ، وتآكل الحياء العام في الخطاب الإعلامي والسلوك المجتمعي، وحتى في لغة الأطفال. كما يظهر ضعف الضمير المهني في مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، حيث تغيب الأمانة ويحل محلها التسيب أو الفساد، إلى جانب الازدواجية السلوكية بين ما يُقال وما يُمارس، وبين الشعارات والقيم الحقيقية، والانفلات الرقمي الذي جعل من وسائل التواصل منصات للتنمر والتشهير ونشر الكراهية.
في المجتمعات الغربية، اعتمدت المنظومة الأخلاقية على القانون كبديل عن الدين في تنظيم السلوك، وسادت الفردانية مما أضعف الروابط الاجتماعية. ورغم التقدم المادي، ظهرت أزمات أخلاقية كالعزلة والانتحار وتفكك الأسرة. أما في المجتمعات العربية، فتعاني من ازدواجية قيمية بين الخطاب الديني والممارسة الواقعية، وتُضعف القبلية والمحسوبية العدالة والشفافية، كما أن الخطاب الديني التقليدي أحيانًا يعجز عن مواكبة التحديات الحديثة. كلا النموذجين يواجه تحديات أخلاقية، لكن السياقات مختلفة؛ الغرب يعاني من فراغ روحي، والعرب يعانون من فوضى قيمية، والحاجة مشتركة إلى إعادة بناء الضمير الجمعي على أسس متينة.
تعود جذور الأزمة إلى التحولات الاقتصادية التي عمّقت الفجوة بين القيم والمصالح، وضعف التربية الأخلاقية في المناهج التعليمية، وغياب القدوة في السياسة والإعلام وحتى في الأسرة، والانبهار بالغرب الذي أدى إلى تقليد سطحي دون وعي بالخصوصية الثقافية، والانفصال بين الدين والسلوك حيث أصبح الدين طقسًا لا منهج حياة.
ورغم هذا التراجع، ظهرت محاولات إصلاحية واعدة، منها مبادرات شبابية مثل حملات (أنا إنسان) و(خليها نظيفة) ، وخطاب ديني متجدد يربط بين القيم الدينية والواقع المعاصر، ومشاريع تربوية تُدخل مفاهيم المواطنة والتسامح والعمل الجماعي في المناهج، إلى جانب نماذج عالمية مثل تجربة الدول الاسكندنافية في تعزيز الثقة المجتمعية، أو تجربة ماليزيا في دمج القيم الإسلامية بالتنمية.
نحن بحاجة إلى خطاب أخلاقي أصيل يستند إلى القيم المتجذرة في ثقافتنا، واقعي لا يكتفي بالمثاليات بل يراعي تعقيدات الواقع، وتحفيزي يخاطب الوجدان ويستنهض الهمم ويزرع الأمل. هذا الخطاب يجب أن يكون جامعًا لا إقصائيًا، مبنيًا على القدوة لا على الوعظ فقط، ومدعومًا بمؤسسات حقيقية تعليمية وإعلامية ودينية ومجتمعية.
أزمة الأخلاق ليست قدرًا محتومًا، بل هي نداء لإعادة النظر في أولوياتنا. إنها فرصة لإطلاق مشروع نهضوي أخلاقي، يعيد الاعتبار للضمير، ويجعل من القيم ركيزة للبناء لا مجرد شعارات. فالمجتمع الذي يفقد بوصلته الأخلاقية، مهما بلغ من التقدم، يظل مهددًا بالانهيار من الداخل. إننا بحاجة إلى ثورة أخلاقية هادئة، تبدأ من الذات، وتُترجم في السلوك، وتُكرّس في المؤسسات. فالأخلاق ليست ترفًا فكريًا، بل شرطًا للنجاة، ووقودًا لأي مشروع حضاري حقيقي.