البعد الأخر للانتخابات البرلمانية الإيرانية / الأمريكي في العراق ؟ أليس منكم رجل رشيد يوقف سحق القوى الوطنية وينهض بهم كطائر العنقاء بدلا من اغتيالهم ؟ 

صباح البغدادي

بحثتُ عن العراق , عن هذا الوطن الذي ما زلنا نفتقده منذ اكثر من عقدين , وسط أكوام الخطب الانتخابية المُقنَّعة وبضجيج المهرجانات الفلكلورية الممزوجة والمضرجة بدماء هذا الوطن الضائع منا ، فلم أجد سوى جثمانٍ مُشوَّه، مسجى على سرير الموت ، عاجزٍ عن نبضةٍ حياة واحدة،. نهش الجوعُ لحمه حتى العظم ، وتغلغل سرطانُ الفساد في جسده كالنار في الهشيم ، تأكل منسأته التبعيةُ والوصايةُ الأجنبيةُ . فتكاد تخرج أنفاسه وهو في سكرات الموت وتسيل كما تسيل القطرة من في السقاء , فأصبح غنيمة للغرباء , مددتُ يديّ لأنتشله من قبره الحيّ ، فانتفض الجثمانُ ، وصرخ بصوتٍ مكسورٍ : فلا بارك الله فيكم وبوطن اضعتموه وتبكون عليه كالنساء وملكاً كان لكم فلم تحافظوا عليه مثل الرجال ويا أشباه الرجال ولا رجال، حلوم الأطفال وعقول ربات الحجال. لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم، معرفة والله جرت ندما وأعقبت سدما. قاتلكم الله ملأتم قلبي قيحا وشحنتم صدري غيظا ، ألم يكن منكم رجلٌ رشيد ؟! فقد قُضِيَ الأمرُ الذي فيه تستفتيان على جثتي بين هذا وذاك كالضباع ، واصبحتم تُقامرون بأشلائي، وأنا أموتُ كلَّ لحظةٍ بين أنيابكم ! فتركته وحيداً في عتمة القبر ، أحمل ذنب الصمت والخذلان والياس ، ووزن وطن كالعراق الذي لم نستحقه . فلا بارك الله بكّم ولا جزاكم أي خيرآ على ما اقترفته ايديكم ؟.


قبل أيام قليلة من انطلاق معركة صناديق الاقتراع البرلمانية، ونحن نتابع عن كثب وعبر شاشات القنوات الإخبارية العراقية وبرامجهم الحوارية التي أصبحت بعضها ذات ضجيج مفتعل ، ونشاهد ذروة الانقسام الحاد الذي بلغته معظم ان لم نقل جميع أطياف ومكونات الشعب العراقي . ويخيل لك في الوهلة الأولى أن يوم الانتخابات سيكون يوم القيامة بعينه ، وأن هذه “الديمقراطية” التي طالما تغنت بها القوى السياسية الحاكمة منذ 2003 وحتى هذه اللحظة قد تتخلى عنهم ” صناديقهم الانتحابية “أخيراً ، وتكون من خلال ضربة استباقية غير متوقعة ومن عامل خارجي يكون أشرس من جميع قوى “الدولة العميقة”، وأشبه ما يكون بثقب أسود كوني قادم ليبتلع كل هذه القوى الحزبية التي جثمت وتسلطت على رقاب العراقيين لأكثر من عقدين من الزمن ، وكانت تسرق أنفاسهم وأرزاقهم وأحلامهم ومستقبل أطفالهم . لكن قد يظن البعض بان هناك منهم ومن يتشبث ببصيص أمل ، قد يراه ضوء خافت في نهاية النفق المظلم ، ولا نريد أن نزعم بان  هناك ما تزال النسبة المتبقية من الوعي الاجتماعي قد تكون معها الفيصل في إبراز قوى وطنية جديدة قادرة على التغيير . ونحن نعلم جيداً مع الاسف أن هذا مستبعد تماماً على الاقل في الوقت الحاضر ، بل قد يكون مستحيل في ظل ما نراه وما نشاهده ومتابعته من حاجز صلد من الطائفية والعرقية والعشائرية والحزبية والمناطقية والذي شكل المشهد السياسي العراقي منذ البداية ولغاية الان . وحتى لو حدث معجزة وبرزت هذه القوى الوطنية المفقودة ، فلن يكون لها صوت مسموع ، بل صوت مقموع ومكمم ، مدفون تحت أكوام من الفساد والتهديد بكات الصوت او العبوة اللاصقة التي تلاحقهم في كل مكان . هذه المعركة اليوم، التي نشاهدها أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، وفي الوسط، المواطن العراقي المغلوب على أمره، واقع بين المطرقة والسندان، يُسحق تحت هذه القوى الحزبية الطائفية والمذهبية؟.
يوم الثلاثاء من الاسبوع القادم يُفترض أن تُقرر فيه صناديق الاقتراع مصيركم ايها العراقيين ، ولكن تبقى الحقيقة أكثر لاذعة من ذي قبل حتى وامن كانت هذه الحقيقية ما تزال مغيبة عن البعض ؟ فأن هذه الانتخابات ليست ملكاً لكم ، بل هي اصبحت ساحة مفتوحة لصراع القوى الخارجية – إيران وأمريكا – والذين سوف يتقاتلان فيها على رقابكم ، ويسحقان في طريقهم أي أمل لقوى وطنية حقيقية بين سندان “طهران” ومطرقة “واشنطن” . لان عنوان هذا الاستحقاق ليس “الديمقراطية”، بل هو في واقع الامر “مزاد على السيادة”، حيث يُباع العراق بين عميلين كبيرين، وأنتم، أيها المواطنون، ستكونون مجرد شهود على سرقة أحلامكم مرة أخرى. إيران، التي فقدت نفوذها الإقليمي بعد هزائمها في غزة وسوريا ولبنان ، تتشبث بالعراق كآخر حصن لـ”محور المقاومة والممانعة ” والذي أصبح محور نهب مقدرات الدولة العراقية . منذ 2003 وما تزال ، كانت “طهران” تُملي اختيار رؤساء الحكومات الثلاث ، وها هي اليوم تُحرّك خيوط “الإطار التنسيقي” – ذلك التحالف الشيعي الذي يجمع الأحزاب الموالية لها . هؤلاء لا يمثلون الشيعة ، بل يمثلون مصالح الآيات في قم وطهران، مع اقتراب الانتخابات ، يُحذّرون من “التدخل الأمريكي”، لكنهم في الواقع يُخططون تقسيم المقاعد مسبقاً عبر “المحاصصة”، يُوزعون المناصب كالغنائم، ويُستخدمون السلاح والمال الحرام لإسكات المستقلين. أما أمريكا، فهي ليست المنقذة التي تُغنى عنها في الأغاني التراثية الشعبية، بل اللاعب الذي يُريد حصة أكبر من هذه الكعكة والمتمثل بالنفط والموارد الطبيعية. بعد الغزو 2003 الذي وعدهم بالديمقراطية و بذرة في ترابه وأنتج الطائفية، هذا ليس دفاعًا عن الديمقراطية، بل محاولة لاستبدال عميل بآخر , أو بالاحرى لنقل بأن أمريكا تُريد العراق اليوم مستقرًا فقط لاستمرار قواعدها العسكرية، لا حرًا يُهدد مصالحها في النفط أو بمواجهة إسرائيل.وفي وسط هذا الصراع، تسحق القوى الوطنية بين المطرقة والسندان. مقتدى الصدر، الذي يُمثل جزءًا من الشيعة الوطنيين، يُقاطع الانتخابات معتبرًا إياها “عرجاء” مليئة بالطائفية والفساد، مُدعيًا أنها تُخدم المصالح الخارجية فقط، ولكن دون دعم حقيقي للمستقلين الذين يُمثلون حراك تشرين 2019 . النتيجة؟ برلمان جديد قادم يُولد ميتًا للنهوض بالعراق من جديد ، يُقسِم المقاعد بين الطوائف، ويُترك الشعب يعاني البطالة والجفاف وبينما “تسحق القوى الوطنية” يُبرز كيف يُصبح الشعب ضحية في صراع لا يخصّه. 
انظروا إليهم وتمعنوا بوجوههم الكالحة جيداً: هؤلاء الذين يدعون الوطنية، يتقاتلون داخل القوائم الانتخابية نفسها، يتهمون بعضهم بالخيانة والفساد والعمالة، بينما هم جميعاً شركاء في سرقة ثروات البلاد. قائد فصيل يشهر سيفه على قائد حزب آخر، ورجل دين يفتي بالكفر على منافسه، وكلهم يتسابقون للظفر بكرسي في البرلمان الذي تحول إلى سوق للمزادات. وأنتم أيها المواطنين ؟ أنتم .. نعم … أنتم … وليس غيركم … ستبقون لهم مجرد أرقام في بطاقات انتخابية لاغير ، يُنظر إليكم فقط لأسابيع قليلة قبل الاقتراع، يغدقون عليكم بالوعود الكاذبة، يوزعون الدولارات المسروقة من نفطكم، يصورون أنفسهم أبطالاً يحاربون الإرهاب أو الاحتلال، ثم يتركونكم أربع سنوات كاملة تعانون الجوع الذي يأكل أحشاء أطفالكم، والفقر الذي يجبر شبابكم على الهجرة أو الانتحار اةو الغرق في محيطات العالم فلا قبور لكم ، والبطالة التي تحول مدنكم إلى مقبرة للأحلام. هؤلاء اللصوص المقنعون لا يرون فيكم إلا أصواتاً تبيعهم السلطة، يستخدمونكم كوقود لمعاركهم الشخصية، ثم يرمونكم . تذكروا كيف كانت وعودهم بالانتخابات السابقة : وعود بالكهرباء والماء النظيف والوظائف التي ستكون لكم بالآلاف وليس المئات والصحة والتعليم ، وانتهت ببرلمان يتقاتل على الحقائب الوزارية والمخصصاتهم وامتيازاتهم ورواتبهم ؟ أليس هذه الحقيقية ؟ ، بينما يموت الناس في المستشفيات من نقص الدواء، ويغرق الأطفال في الشوارع من السيول لأن الصرف الصحي سرقوه. هم يقتتلون الآن بشراسة أكبر، كلما اقترب موعد الانتخابات، تشتد المعركة حامية الوطيس ، وتشاهدون , اغتيالات، حملات تشويه، تحالفات مؤقتة تتحول إلى خناجر في الظهر. وكل ذلك لأجل ماذا؟ لأجل كراسي تمنحهم الحصانة ليستمروا في نهبكم! لكن الفيصل الحقيقي، الامتحان العسير الذي يواجهنا جميعاً، هو هذا: إما أن يخرج من هذه الانتخابات برلمان وطني حقيقي، يمثل يوم ميلاد العراق الجديد، عراق ينبض بالعدالة والازدهار والتقدم ، حيث يأكل الشعب خبزه بكرامة ويجد قوت يومه بلا مذلة او مهانة ، ويعمل شبابه بكبرياء وبفخر، ويبني أبناؤه مستقبلاً آمناً لهم . أو يكون برلماناً آخر يمثل نهايته إلى غير رجعة، نهاية هذا النظام السرطاني الفاسد الذي يتغذى على دمائكم ودموعكم . للأسف ، الخيار الأول أصبح حلم واضعات الأحلام ، تلك الأحلام الوردية التي نراها في المنام ونستيقظ على كابوس الواقع . ونحن وما نشاهده كل يوم فاصبحنا بتأويل أحلام الوطن ، عارفون جيداً , فهي مجرد أوهام تُباع لكم كل أربع سنوات, حتى مفوضية الانتخابات المستقلة ما تزال تضارب تصريحاتهم الرسمية حول موعد اعلان النتائج : فهل تكون بعد يوم من غلق صناديق الاقتراع أم بعد ساعات قليلة وكيف ستكون الإجراءات الميدانية المتبعة في حالة تعطيل اجهزة التصويت أو حتى اختراقها وتغير نتائج المصوتين لصالح قوائم اخرى ومنتقاة , والاهم الافتقاد الى الرقابة الميدانية وتعزيز المصداقية والشفافية والنزاهة في التصويت بخصوص منتسبي وزارة الدفاع والداخلية والاجهزة الامنية المختلفة وعدم إجبار المنتسبين على التصويت على قوائم أو شخصيات مرشحة معينة تحت طائلة العقاب والثواب وكما حدثت مرات عديدة في الانتخابات البرلمانية السابقة؟ أما عن التزوير فهذه نتركها للراي العام وكذلك للقوائم الانتخابية التي سوف تخسر هذه الانتخابات والتي سوف يشتد وطيس معركتها الكلامية في تزوير الانتخابات ولو بقوة السلاح وبين الترهيب والترغيب وقد يصل سعر البطاقة الانتخابية الى الاف دولار او اكثر وهذا ما نتوقعه شخصيآ وكحالة استباقية قد كنا لمسناها سابقا وكتبنا عنها مرارا وتكرارا في الانتخابات السابقة .  وأخيرآ وليس أخرآ … فيا شعب العراق ، إذا كنتم تريدون تغييراً حقيقيآ غير مزيف بقناع نصرة المذهب و الطائفة المهمشة المظلومة !!؟ لانكم اصبحتم من حيث لا تدرون انتم المهمشين والمحرومين والفقراء والجوعى وسط الكم الهائل من الثروات التي يستأثر بها اليوم فقط دون غيرهم هؤلاء الذين يرفعون شعار “هيهات منا الذلة” و ” لن يعود عبد الزهرة ليخدم عمر ” ، فلا تبيعوا أصواتكم  . هذه المعركة حامية الوطيس التي تجري فينا بينهم ليست معركتكم أنتم ، بل معركتهم على تقسيم الكعكة . فلكم وما يزال أمامكم خيارين لا ثالث لهما : فاما أن تقاطعوا هذه المسرحية الهزلية ، أو تصوتوا لمن يستحق أن يمثلكم ، ولكن دائمآ يجب أن تتذكروا :”بأن خلاصكم من هذه الطغمة الحاكمة لن يأتي من برلمان يولد من رحم الفساد ” ولكن الخلاص في ثورتكم أنتم على هؤلاء الجاثمين على صدروكم  ، وفي رفضكم للجوع والفقر والمرض والتهميش الممنهج ، ففي صرخاتكم التي تهز عروشهم سيكون خلاصكم من هؤلاء . وإلا ، فاستمرار هؤلاء في مناصبهم سيجعل من العراق مجرد ذكرى عابرة ، وأنتم ستكونون مجرد أشباح في تاريخ منسي يتم تذكره بالكتب . فهل سيأتي يوم على العراق لينهض كطائر العنقاء ويولد من جديد ومن رماد اليأس والخذلان والإحباط ؟.

تنويه : بعض من العبارات والجمل في المقدمة مأخوذة من القرآن الكريم وأقوال العرب المشهورة؟