هواجس الإيمان: سيرة ذاتية في عشق المجهول

رياض سعد

منذ بدايات وعيي الأولى، كان في داخلي نور غامض لا أعرف مصدره، لكنه كان يهمس لي بأن هناك قوةً عظمى عليا ، رحيمةً، تراقبني من وراء الغيب… ؛  لم أكن أعرف حقيقة تلك   القوة، لكني كنت اعرف اسمها ( الله ) وأشعر بها كما يشعر العصفور بحرارة الشمس وهو لا يعرف ما هي الشمس... .

كنت أشعر بشيءٍ غامضٍ يسكنني، كصوتٍ خافتٍ يأتي من مكانٍ لا أعرفه، يهمس لي بأن وراء هذا الكون وجهاً خفياً لا يُرى، لكنه حاضر في كل لحظة، في ضوء الفجر، وفي دمعةِ خشوعٍ تسقط بلا سبب… ؛  كنت أعشق الله دون أن أعرفه، وأؤمن بوجوده دون أن يعلّمني أحدٌ معنى الإيمان… ؛  كان ذلك الشعور أشبه بالنبض الخفي الذي لا يُفسَّر، ولكنه يمنح القلب حياةً أخرى موازية للحياة المادية.

نعم , منذ فجر طفولتي الأولى، وأنا أعشق ذلك الإله الذي لا أعرفه… ؛  انبثق إيماني كنبضة غامضة، لكنها راسخة في أغوار نفسي، كحقيقة بدائية سابقة على كل تعليل… ؛  كنتُ أعشق غياباً متجلياً، إلهاً لم أعرفه قط، ومع ذلك انتحى قلبي له كهيكلٍ مقدس. نبت إيماني كنبات الصحراء – بلا بذور مرئية، لكن بجذور متشبثة في طبقات اللاوعي… ؛ كان إيماني بالله فطرياً لا يحتاج إلى برهان، يشبه الارتجاف العذب في قلب الطفل حين يسمع نداء الأذان لأول مرة… ؛   لا أدري لماذا؟

ربما كان هذا الإيمان ميراثاً من جدي الذي كان يتهجد كل فجرٍ بصوتٍ خافتٍ كأنما يناجي حبيباً لا يُرى… ؛ كان يتهادى في بيتنا كظلٍّ متصوِّف، مواظباً على العبادات حتى غدا جسده ترنيمةً للخشوع؟    

أو ربما تشكل في أعماقي من بيئةٍ يغلب عليها السكون والهيبة، حيث الشيوخ يتهامسون بآياتٍ كأنها نَفَسُ الأرواح… ؛ وسماع صرير كراسي كبار السن وهمس تلاواتهم القرآنية وتسابيحهم واذكارهم بواسطة المسابح الحسينية  ؟

أم لأنني وقعتُ تحت سحر جاري الذي يكبرني بسبع سنين، ذلك الشاب الذي أخذ بيدي إلى ساحة الصلاة وأنا ابن الثامنة، وعلّمني أن السجود ليس انحناءً للجسد، بل ارتفاعٌ للروح… ؛ اذ تحولت يده التي ربت على كتفي إلى جسرٍ مؤقتٍ نحو السماء ؟

لا أدري بالضبط… ؛ لكن مهما حاولت أن أُسند هذا الإيمان إلى سببٍ خارجي، كنت أعود إلى الحقيقة ذاتها: أن الإيمان لم يُلقَّن لي، بل خرج من أعماقي كما تخرج الزهرة من ذاتها، دون أمرٍ من أحد... .

نعم لم أملك يقيناً لسبب  ظاهري لإيماني الباطني  … ؛  لكن اللغز الحقيقي لم يكن في هذا الإيمان  الطفولي العفوي بحد ذاته ، بل في توأمه المشوه وما لازمه من يقين طفوليٍّ بأن الناس جميعاً يشتركون في الحب نفسه، وأنهم جميعاً يؤمنون بذلك الخالق الذي كنت أعبده ببراءةٍ لا تعرف الشك… ؛ اذ كنت أظن أن الإيمان هو اللغة التي تتكلم بها البشرية منذ الأزل، وأن كل قلبٍ إنما يخفق باسم الله حتى وإن جهل الحروف… ؛ فالبشرية بنظري القاصر وقتذاك وبلا استثناء، ترتوي من النبع نفسه… ؛ اذ كنت أتصور الكون كجوقة واحدة تترنم باسم غير مرئي، وكأن عدم الإيمان بالخالق ضرب من المحال المنطقي، كتصور نارٍ بلا حرقة... .

نعم , كنت أظن أن هذا الإيمان حالةٌ بشرية عامة، وأن كل من يعيش على هذه الأرض يحب الله كما أحببته، ويخشاه كما خشيته… ؛ و لم أتصور يوماً أن هناك من لا يرى في الوجود خالقاً، أو من ينكر أن وراء هذا النظام الكوني عقلًا علياً يُدبّره… ؛  كانت براءتي الدينية ترى أن الله يسكن فطرة الجميع، وأن الناس جميعاً يتجهون نحوه وإن اختلفت الطرق…؛ و لم يخطر ببالي قط أن ثمة كائنات بشرية يمكن أن تعيش دون أن تحمل في وعيها أو لاوعيها صورةً لما هو متعَالٍ … ؛  كنتُ أتصور العالم كجامع او حسينية واحدة كبيرة … ؛ تختلف طقوسها لكنها تتجه بقلوبها نحو قِبلةٍ واحدة غير مرئية…!!

لكن الأيام جرَّتني، كما تجر الريحُ الورقةَ اليابسة ، إلى بلدانٍ بعيدة، ذات توجهات شيوعية وميول إلحادية… ؛  هناك، صادفتُ بشراً من نوعٍ آخر: كائنات لا تعرف “الله” ولا “الخالق”، ولا تحتفي بأي فكرةٍ خارج نطاق المادة والتجربة… ؛  كانوا ينظرون إلى الميتافيزيقا كخرافةٍ بدائية، وإلى الغيبيات كأوهام لا تصمد أمام منهج العلم الحديث… ؛  لم يكونوا أعداءً للدين، بل كانوا ببساطةٍ خارج دائرة سؤاله.

نعم , قد كسرت سفراتي و رحلاتي فيما بعد هذا اليقين  الطفولي الوردي… , والايام كخائن أمين، نقلتني إلى عوالم موازية …  ؛ اذ رأيت شعوباً  واشخاصا لا تعرف الخالق إلا كفكرةٍ فلسفيةٍ غائمة، وأناساً يعيشون كما لو أن الكون أوجد نفسه بنفسه، دون يدٍ خفيةٍ أو عقلٍ كليٍّ منظم… ؛  رأيت من يقيس الوجود بالمجهر ويزن الحقيقة بالمختبر، فينكر كل ما لا يخضع للتجربة والمعادلة… ؛ التقيت أناساً لا يؤمنون إلا بما تراه عيونهم وتلمسه أيديهم، قومٌ يقدّسون العقل ولا يؤمنون بالغيب، يرون في فكرة الخالق أسطورةً عاطفية لا تخضع للتجربة ولا تصلح للبرهان , وصادفت شخصيات بشرية بلا ظل ميتافيزيقي… ؛  كانوا يتحركون في عالمٍ مسطح، خالٍ من الأبعاد الغيبية، ويقيسون الوجود بمقاييس الحسّ والتجربة فقط… ؛  لم يكونوا يكفرون بمنطق الرفض، بل يعيشون في حالة من “اللاتديّن واللايقين ” كما تعيش الأسماك في البحر !!

حينها، انشطر عالمي إلى نصفين , و انكسرت قشرة اليقين الطفولية … ؛ اذ أدركتُ أن الإيمان ليس نهراً جماعياً، بل هو نزيف شخصي… ؛ و ليس اكتساباً من الخارج، بل انبثاقاً من الداخل… ؛  إنه كيان هشّ، أشبه بفقاعة وجودية تحوي كل معنى الفرد، وتنفجر عند أول احتكاك مع يقينيات الآخرين… ؛ الإله الشخصي قد يموت في ساحة الفكر الجمعي، لكنه يولد من جديد في كهوف الذات الواحدة … .

نعم , عرفت أن الإيمان ليس منحةً جماعية، بل تجربةٌ فرديةٌ محضة و رحلةٌ وحيدةٌ في صحراء الذات ، تنبع من أعماق النفس كما ينبع النبع من جوف الأرض؛ لا يستعار، ولا يدرَّس، ولا يمنَح بقرارٍ اجتماعي أو تراثٍ عائلي…؛ إنه ندى داخلي لا يهطل من سماء المجتمع أو التقاليد , ولا عرفاً يتداول بين الأجيال  ، بل ينبع من ينابيع النفس العميقة… ؛  إنه حوارٌ سريٌّ بين الفرد واللامرئي، قد يولد معنا كذكرى غامضة، أو يظل طيفاً يطارحنا الأسئلة دون أن نمسكه… .

نعم , الإيمان — كما أدركت متأخراً — ليس فكرةً تُغرس، بل نداءٌ يوقظ ما فينا من خفاءٍ سرياليٍّ متصلٍ بما وراء المادة… ؛  هو ذلك الشعور الذي لا يُفسَّر بالمنطق ولا يُختزل بالعلم، لأن جوهره من نورٍ آخر، نورٍ لا يُرى إلا بعين القلب…؛ لذا جاء في الاثر : ( عميت عين لا تراك )  ؛  وربما لهذا السبب يظل بعض الناس غرباء عن الله رغم كثرة صلواتهم، بينما يولد آخرون مؤمنين دون أن يقرأوا آية واحدة…؛ لذا جاء في الاثر : ( نَوْمٌ عَلَى يَقِينٍ ، خَيْرٌ مِنْ صَلاَةٍ فِي شَكٍّ  )  ؛ فالإيمان ليس حكايةً عن السماء فقط، بل عن النفس وهي تتلمس طريقها في العتمة لتجد المعنى… ؛  إنه سرٌّ وجوديٌّ بين الخوف والرجاء، بين الوعي واللاوعي، بين السؤال والسكوت… ؛  وهو في جوهره حالة حبٍّ مطلق، لا تُقاس بالأدلة ولا تُحصر في النصوص، بل تُعاش كما يُعاش التنفس — بلا تفكيرٍ، بلا جهدٍ، بلا سببٍ ظاهر… .

 الإيمان — في جوهره — ليس فكرةً منطقية ولا حكايةً تورَّث، بل هو ومضة تشتعل في القلب عندما يلامس الغيبُ وعينا… ؛  إنه لحظة كشفٍ بين المرئي واللامرئي ، بين الفاني والأزلي … ؛  هو ذلك الحنين الذي لا تفسير له، والرغبة الغامضة في العودة إلى الأصل الذي جئنا منه… ؛  فكل مؤمن هو طفل أبديّ، يبحث عن أبٍ ميتافيزيقيٍّ في العتمة، عن حضنٍ كونيٍّ يعيد إليه اتزانه وسط فوضى الوجود.

الإيمان لا يُدرَّس في المعابد، ولا يُمنَح من الكتب، بل يُستخرج من أعماق النفس حين تصمت الحواس ويبدأ القلب بالإنصات… ؛  إنه اللغة التي يتحدث بها الوجود مع أرواحنا، لا تُكتب بالحروف، بل تُفهم بالسكينة.

وهكذا أدركت أن الإيمان ليس فرضاً ولا عادة ولا عبادة ، بل هو ميلٌ فطريٌّ إلى ما وراء العقل، هو توق الروح إلى منبعها الأول، واعترافٌ ضمنيٌّ بأن في الإنسان شيئاً من الله، وفي الله شيئاً يحنّ إلى الإنسان ايضا …!!

وهكذا بقي في داخلي ذلك الطفل الذي أحبّ الله دون أن يعرفه، مؤمناً أن بعض الأسرار لا تُفهم، بل تُذَاق.