رياض سعد
عندما يعانقك الشوك كما لو أنّه أمّ فقدت أبناءها، وعندما تهرب منك أحضان البشر كأنّهم يخشون حرارة صدرك، يبدأ العالم بالانكماش حتى يصير غرفة ضيّقة لا يدخلها ضوء إلا بمقدار ما تتنفّس.
نعم , عِندَمَا تَحْتَضِنُكَ الأَشْوَاكُ، وَتَفِرُّ مِنْكَ أَحْضَانُ البَشَرِ، حِينَئِذٍ تَدْرِكُ أَنَّ الوَحْدَةَ لَيْسَتْ فُرْصَةً لِلانْعِزَالِ، بَلْ هِيَ مَحْضَنُ لُقْيَاكَ مَعَ ذَاتِكَ الأُولَى.
هناك، في أعمق نقطة من هذا الانكماش، يتدلّى البلاء كغيمة سوداء، لا تمطر ماءً، بل تمطر امتحانات تُساق إليك كتائب خلف كتائب، حتى لا تعود تعرف أين ينتهي الألم وأين يبدأ التعب، ولا تملك أن تلتقط أنفاسك، كجندي في جبهة لا يسمع فيها سوى صرير خوذته وتثاقل خطواته على الأرض المحروقة.
عندها تُعصَر روحك كما تُعصَر قطرة زيت من ثمرة قاسية، وتُرمى في مهبّ الريح من مشكلة إلى أخرى، حتى يتهاوى جسدك في حضن لا يشبه أحضان البشر… حضن لا يرحم ولكنه لا يخون.
هناك، في تلك اللحظة التي ينهار فيها ظهرك، تكتشف أنّ الأيام المرّة هي وحدها التي تعرف كيف تحتضن أرواحنا دون أن تتصنّع، وكيف تضمد جراحنا دون أن تطلب مكافأة.
تكتشف أنّ التجارب القاسية تمتلك حرارة صادقة، وأنّ اللحظات التي تدمينا هي نفسها اللحظات التي تعيد تشكيلنا من جديد، حدّ أننا نخرج منها بملامح مختلفة وصوت داخلي أكثر حكمة.
من الصعب أن تهرب من البلاء…
ومن الأصعب أن تهرب إليه، لكنك تُجبر على ذلك كما يُجبر العطشان على شرب الماء المرّ حين لا يجد غيره.
فِي غُبَارِ المَآسِي، حَيْثُ تَتَرَاصُّ البَلَايَا كَكَتَائِبَ مِنَ الظُّلْمَةِ، لَا تَتْرُكُ لِلرُّوحِ فُرْصَةً لِتَقْتَنِصَ نَسَمَةً وَاحِدَةً مِنْ مَعْنَى الرَّاحَةِ، كَمُقَاتِلٍ سَقَطَ السِّلَاحُ مِنْ يَدَيْهِ، فَلَجَأَ إِلَى احْتِضَانِ جِرَاحِهِ سِلَاحًا أَخِيرًا. هُنَاكَ، حَيْثُ تَعْصِرُ الهُمُومُ قَطْرَاتِ الرَّجَاءِ الأَخِيرَةِ مِنْ قَلْبِكَ، وَتَتَنَاثَرُ أَوْجَاعُكَ عَلَى مَذْبَحِ المُصَارَعَةِ، تَجِدُ نَفْسَكَ تُقَاتِلُ سَرِايا البِلَاءِ وَحِيدًا، حَتَّى تَسْقُطَ أَخِيرًا فِي حُضْنِ البلاء نَفْسِهِ.
فِي تِلْكَ اللَّحَظَةِ المُقَدَّسَةِ بِالقَسْوَةِ، تَبْدَأُ الأَيَّامُ المُرَّةُ، وَالتَّجَارِبُ المُؤْلِمَةُ، بِاحْتِضَانِ رُوحِكَ بِبَرَادَةٍ تَشِبِعُ جُرُوحًا لَمْ تَعْرِفْهَا أَحْضَانُ إِخْوَتِكَ مِنْ بَنِي آدَمَ… ؛ لَا تَفِرُّ مِنَ البَلَاءِ إِلَيْهِ، بَلْ إِنَّكَ لِتَجْرُفُ نَحْوَهُ كَالسَّهْمِ الَّذِي يَعُودُ إِلَى قَوْسِهِ… ؛ يُهَمْسُ فِي أُذُنِ رُوحِكَ: “حُضُنِّي هَذَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ شَوْكٍ، فَهُوَ أَطْهَرُ مِنْ لَذَّةِ أَحْضَانٍ بَشَرِيَّةٍ وَسِخَةٍ… ؛ هُوَ الصَّدَقُ الْجَارِحُ الَّذِي لَا يَخْتَلِطُ بِرَذَاذِ الشَّفَقَةِ المزيفة وَمَشَاعِرِهِمُ الْمُقَنَّعَةِ بِغُبَارِ الْمَصْلَحَةِ والشهوة .”
عندها فقط تشعر بأن البلاء ليس عدواً خالصاً، بل معلّماً قاسياً، يمدّ يده نحوك ليقول:”تعال… فإن حضني وإن كان مؤلماً، أطهر من أحضان البشر التي لوثتها المصالح، وأنقى من المشاعر التي كُتبت بمداد الكذب والزيف .”
وكأن البلاء يهمس في أذنك: “ابقَ هنا قليلاً… ففي حضني تنضج، وفي وهجي تشتد، أمّا أحضان البشر فإنها تُفسدك مهما ادّعت الطهر، وتمتصّ ما تبقّى فيك من نور، ثم لا تعيد لك إلّا ظلالاً باهتة من نفسك.”
نعم , وكأن البَلَاءُ يُنَاجِيكَ قائلا : “الِاثْبَاتُ فِي حُضْنِي هُوَ رَحِمُ النُّضْجِ الْعَاجِلُ، حَيْثُ تَنْتَشِلُ جَذْوَتُكَ مِنْ رَمَادِ نَفْسِكَ الْقَدِيمَةِ… ؛ أَمَّا احْتِضَانُهُمْ، فَإِنَّهُ يُفْسِدُ طَهَارَةَ جُرُوحِكِ، وَيَسْرِقُ مِنْ عُزْلَتِكَ قُوَّتَهَا، فَلَا تَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ أَذْرُعِهِمْ إِلَّا نَاقِمًا عَلَى نَفْسِكَ، مُشَتَّتَ الْجَوْهَرِ، مُثْقَلًا بِأَوْهَامِ الْعَزَاءِ.”
فَتَذَكَّرْ أَنَّكَ لَمْ تَسْقُطْ فِي الْهَاوِيَةِ، بَلْ وَطِئْتَ قَاعَهَا لِتَكْتَشِفَ أَنَّكَ الْجَبَلُ الَّذِي كُنْتَ تَسْعَى لِتَصْعَدَهُ.
وهكذا… ؛ تخرج من الجانب الآخر للمعاناة، ليس كما دخلت، بل أكثر صلابة، أكثر معرفة، وأكثر قدرة على التفريق بين ما يلمع حقاً وما هو مجرّد بريق زائف.
وحينها فقط تفهم :أنّ الشوك الذي احتضنك كان أرحم من البشر الذين تركوك، وأنّ البلاء، بكل مرارته، كان صدراً من صدق… ؛ بينما هم، بكل نعومتهم، كانوا خداعاً محضاً.