د. فاضل حسن شريف
قال الله تعالى عن مقاما ومقام “وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا” ﴿الإسراء 79﴾ مقاما اسم، مَقَامًا مَّحْمُودًا: مقام الشفاعة العظمى يوم القيامة، مقاما محمودا: يحمدك فيه الأولون والآخرون وهو مقام الشفاعة في فصل القضاء، ونزل لما أمر بالهجرة، وقم أيها النبي من نومك بعض الليل، فاقرأ القرآن في صلاة الليل، لتكون صلاة الليل زيادة لك في علو القدر ورفع الدرجات، عسى أن يبعثك الله شافعًا للناس يوم القيامة، ليرحمهم الله مما يكونون فيه، وتقوم مقامًا يحمدك فيه الأولون والآخرون، و “وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا” ﴿مريم 73﴾ خَيرٌ مَّقَامًا: خير منـزلا وإقامة، خير مقاما: منزلا ومسكنا بالفتح من قام وبالضم من أقام، وإذا تتلى على الناس آياتنا المنزلات الواضحات قال الكفار بالله للمؤمنين به: أيُّ الفريقين منَّا ومنكم أفضل منزلا وأحسن مجلسًا؟ “وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ۖ وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ” ﴿البقرة 125﴾ مقام اسم، مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ: هو الحجر الذي كان يقف عليه إبراهيم عليه السلام حين بناء البيت، من مقام إبراهيم: هو الحجر الذي قام عليه عند بناء البيت، واذكر أيها النبي حين جعلنا الكعبة مرجعًا للناس، يأتونه، ثم يرجعون إلى أهليهم، ثم يعودون إليه، ومجمعًا لهم في الحج والعمرة والطواف والصلاة، وأمنًا لهم، لا يُغِير عليهم عدو فيه. وقلنا: اتخِذوا من مقام إبراهيم مكانًا للصلاة فيه، وهو الحجر الذي وقف عليه إبراهيم عند بنائه الكعبة.
الميزان في تفسير القرآن للعلامة الطباطبائي: قوله تعالى “عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً” (الاسراء 79) من الممكن أن يكون المقام مصدرا ميميا وهو البعث فيكون مفعولا مطلقا ليبعثك من غير لفظه، والمعنى عسى أن يبعثك ربك بعثا محمودا، ومن الممكن أن يكون اسم مكان والبعث بمعنى الإقامة أو مضمنا معنى الإعطاء ونحوه، والمعنى عسى أن يقيمك ربك في مقام محمود أو يبعثك معطيا لك مقاما محمودا أو يعطيك باعثا مقاما محمودا. وقد وصف سبحانه مقامه بأنه محمود وأطلق القول من غير تقييد وهو يفيد أنه مقام يحمده الكل ولا يثني عليه الكل إلا إذا استحسنه الكل وانتفع به الجميع ولذا فسروا المقام المحمود بأنه المقام الذي يحمده عليه جميع الخلائق وهو مقام الشفاعة الكبرى له صلى الله عليه وآله يوم القيامة وقد اتفقت على هذا التفسير الروايات من طرق الفريقين عن النبي صلى الله عليه وآله وأئمة أهل البيت عليه السلام.
قال الله تعالى عن مقاما ومقام “فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ” ﴿آل عمران 97﴾، و “وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ۚ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا” ﴿الأحزاب 13﴾، و “وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ” ﴿الصافات 164﴾. قوله تعالى: “فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيم” ﴿آل عمران 97﴾، الآيات وإن وصفت بالبينات، وأفاد ذلك تخصصاً ما في الموصوف إلا إنها مع ذلك لا تخرج عن الإبهام، والمقام مقام بيان مزايا البيت ومفاخره التي بها يتقدم على غيره في الشرف ولا يناسب ذلك إلا الإتيان ببيان واضح، والوصف بما لا غبار عليه بالإبهام والإجمال، وهذا من الشواهد على كون قوله: “مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ” إلى آخر الآية بياناً لقوله: آيات بينات فالآيات هي: مقام إبراهيم، وتقرير الأمن فيه، وإيجاب حجه على الناس المستطيعين. لكن لا كما يترائى من بعض التفاسير من كون الجمل الثلاث بدلاً أو عطف بيان من قوله: آيات لوضوح أن ذلك يحتاج إلى رجوع الكلام بحسب التقدير إلى مثل قولنا هي مقام إبراهيم، والأمن لمن دخله، وحجه لمن استطاع إليه سبيلاً، وفي ذلك إرجاع قوله: ومن دخله، سواء كان إنشاءاً أو إخباراً إلى المفرد بتقدير أن وإرجاع قوله: ولله على الناس، وهي جملة إنشائية إلى الخبرية ثم عطفه على الجملة السابقة وتأويلها إلى المفرد بذلك أو بتقدير أن فيها أيضاً، وكل ذلك مما لا يساعد عليه الكلام البتة. وإنما سيقت هذه الجمل الثلاث أعني قوله: مقام إبراهيم، كل لغرض خاص من إخبار أو إنشاء حكم ثم تتبين بها الآيات فتعطي فائدة البيان كما يقال: فلان رجل شريف هو ابن فلان ويقري الضيف ويجب علينا أن نتبعه. قوله تعالى: مقام إبراهيم مبتدأ لخبر محذوف والتقدير فيه مقام إبراهيم، وهو الحجر الذي عليه أثر قدمي إبراهيم الخليل عليه السلام، وقد استفاض النقل بأن الحجر مدفون.
قال الله تعالى عن مقاما ومقام “إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ” ﴿الدخان 51﴾، و “وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ” ﴿الرحمن 46﴾، و “وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ” ﴿النازعات 40﴾. جاء في تفسير غريب القرآن لفخر الدين الطريحي النجفي: (قوم) “القيوم” (البقرة 255) اسم من أسماء الله تعالى أي القائم الدائم الذي لا يزول، وليس من قيام على الرجل، و “قائم على كل نفس” (الرعد 35) رقيب عليها، و “دينا قيما” (الانعام 162) فيعل من قام كسيد من ساد وهو أبلغ من المستقيم باعتبار الزنه، وقيم: قائم، و “لا تقم على قبره” (التوبة 85) أي لا تقف على قبره للدفن أو الزيارة، و “أقاموا الصلاة” (البقرة 277) (الاعراف 169) (التوبة 6) (التوبة 12) (الرعد 24) (الحج 41) (فاطر 18) (فاطر 29) (الشورى 38) أداموها في مواقيتها، ويقال: إقامتها أن يؤتى بها بحقوقها كما فرض الله عز وجل من قام بالأمر وأقام إذا جاء به معطى حقوقه، و “أقام الصلاة” (البقرة 176) (التوبة 19) أي اقامتها فالتاء في الإقامة عوض عن العين الساقطة إذ الأصل أقوام فلما أضيفت أقيمت الإضافة مقام حرف التعويض وأسقطت، و “من آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره” (الروم 25) أي قيام السماوات والأرض واستمساكها بغير عمد بأمره أي بقوله: كونا قائمين، و “دار المقامة” (فاطر 35) بالضم أي دار الإقامة، والمقامة: بالفتح المجلس و “لا مقام لكم” (الاحزاب 13) أي لا موضع لكم، وقرئ بالضم أي لا إقامة لكم و “مستقرا ومقاما” (الفرقان 66) (الفرقان 76) أي موضعا، و “الرجال قوامون على النساء” (النساء 33) أي يقومون عليهن قيام الولاة على الرعية، وقوام الأمر: نظامه وعماده يقال فلان قوام أهل بيته، وقيامهم وهو الذي يقيم شأنهم ومنه قوله تعالى: “ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما” (النساء 4) و “إلا ما دمت عليه قائما” (ال عمران 75) أي تطالبه بالحاح و “أمة قائمة” (ال عمران 113) مستقيمة عادلة، و “أقوم قيلا” (المزمل 6) أي أصح قولا لهدأة الناس وسكون الأصوات وقوله “ثم استقاموا” (السجدة 30) أي على الطاعة، وقيل: لم يشركوا به شيئا، و “عذاب مقيم” (هود 39) (الزمر 40) أي دائم كعذاب النار، أو عذاب مقيم معهم في العاجل لا ينفكون منه، و “قوم” رجال لا واحد له من لفظه يذكر ويؤنث قال تعالى: “لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء” (الحجرات 11) و “كذب به قومك” (الانعام 66) و “كذبت قوم نوح” (الشعراء 105) والاستقامة: الاعتدال في الأمر قال تعالى “فاستقيموا إليه” (السجدة 6) أي في التوجه إليه دون الآلهة، و “ذلك دين القيمة” (البينة 5) إنما أنثه لأنه أراد به الملة الحنيفية، والقوم: العدل، قال تعالى: “وكان بين ذلك قواما” (الفرقان 67) و “منها قائم وحصيد” (هود 101) مر تفسيره.
جاء في کتاب الرسول الأعظم على لسان حفيده الإمام زين العابدين للسيّد محسن الحسيني الأميني: ويستطرد مؤلف الكتاب عن دعاء الامام عليه السلام قائلا: (وَعَرِّفْهُ فِي أَهْلِهِ الطَّاهِرِينَ وَأُمَّتِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ حُسْنِ الشَّفَاعَةِ أَجَلَّ مَا وَعَدْتَهُ) وعن الباقر عليه السلام: في قوله تعالى: “وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ” (الجاثية 28) قال: ذاك النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعليّ عليه السلام يقوم على كوم قد علا على الخلايق فيشفع، ثم يقول: يا عليّ إشفع فيشفع ويشفع، الرجل في القبيلة ويشفع الرجل في أهل البيت ويشفع الرجل للرجلين على قدر عمله فذلك المقام المحمود.