بماذا يعرف المجرمون يوم القيامة؟

د. فاضل حسن شريف

عن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله جل اسمه “يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ” ﴿الرحمن 41﴾ في مقام الجواب عن سؤال مقدر كأنه قيل: فإذا لم يسألوا عن ذنبهم فما يصنع بهم؟ فأجيب بأنه يعرف المجرمون بسيماهم إلخ، ولذا فصلت الجملة ولم يعطف، والمراد بسيماهم علامتهم البارزة في وجوههم. وقوله: “فيؤخذ بالنواصي والأقدام” الكلام متفرع على المعرفة المذكورة، والنواصي جمع ناصية وهي شعر مقدم الرأس، والأقدام جمع قدم، وقوله: “بالنواصي” نائب فاعل يؤخذ. والمعنى: لا يسأل أحد عن ذنبه يعرف المجرمون بعلامتهم الظاهرة في وجوههم فيؤخذ بالنواصي والأقدام من المجرمين فيلقون في النار.

جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله جل اسمه “يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ” ﴿الرحمن 41﴾ (النواصي): جمع ناصية وكما يقول الراغب في المفردات أنّ الأصل بمعنى الشعر بمقدّمة الرأس من مادّة (نصأ) على وزن (نصر) وتعني الإتّصال والإرتباط، (وأخذ بناصيته) بمعنى أخذه من شعره الذي في مقدّمة رأسه، كما تأتي أحياناً كناية عن الغلبة الكاملة على الشيء. أقدام: جمع (قدم) بمعنى الأرجل. والمعنى الحقيقي للآية المباركة هو أنّ الملائكة تأخذ المجرمين في يوم القيامة من نواصيهم وأرجلهم، ويرفعونهم من الأرض بمنتهى الذلّة ويلقونهم في جهنّم، أو أنّه كناية عن منتهى ضعف المجرمين وعجزهم أمام ملائكة الرحمن، حيث يقذفونهم في نار جهنّم بذلّة تامّة، فما أشدّ هذا المشهد وما أرعبه. ومرّة اُخرى يضيف سبحانه: (فبأي آلاء ربّكما تكذّبان) لأنّ التذكير بيوم القيامة هو لطف منه تعالى.

عن موقع ملتقى الخطباء: يعرف المجرمون بسيماهم للخطيب ناصر بن محمد الأحمد: ومُكر بموسى عليه السلام، أشد المكر، وحُوربت دعوته، وضيق على أتباعه، ولكن كان الأمر كما قال الله تعالى: “فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا” (القصص 8) فمإذا كانت النتيجة “فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ” (غافر 45)، وفرعون عندما كان يحارب ويعادي موسى عليه السلام وأتباعه، لم يكن عن جهلٍ، بأن ما يقوله موسى هو الحق، لكنها الغطرسة، وحب الكرسي، والتكبر، والعلو في الأرض، ويجمع هذا كله عنوان عام وهو الإجرام.ولكن كما قال المولى جل وعز: “إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ” (السجدة: 22) فانتقم الله منه، وانتقم الله لموسى ولأتباع موسى، من إيذاء فرعون، فأماته الله أحسن ميته، وأهلكه بالغرق، والقصة معروفة، ومكر المجرمون، بعيسى عليه السلام “وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا(55)” (آل عمران 54- 55). أما عن سيرة نبينا عليه الصلاة والسلام فهي خير شاهد على ما دلت عليه الآية التي نتحدث عنها. ففي قريته مكة انبعث أكابرها، وذوي السلطة فيها، وهم مجرمو زمانهم، انبعثوا لمقاومة دعوة الإصلاح التي خرجت عليهم، فصار التضييق في كل مكان، وكممت الأفواه ولم يسمحوا لأحد أن يتكلم أو يدعوا لهذا الخير، حتى لا يتأثر به غيره.

أما بعد: إن الآيات الواردة في فضح أعمال وأفعال المجرمين، كثيرة في كتاب الله، ويصعب جداً في هذا المقام القصير، التفصيل. لكن أتابع وعلى عجالة. من أعمالهم وأفعالهم قول البارئ جل وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ(32)﴾ (المطففين: 29- 32). وهكذا المجرمون يفعلون الضحك على أهل الإيمان، والسخرية بهم، وقد يسخر المجرمون، وسائل إعلامهم لخدمة هذا الجانب، وقد خرج عدد من الأفلام، في الغرب وفي الشرق، فيها الاستهزاء بدين الله علأنية، والضحك بأهل الإيمان، ولا تردد بأن صاحب هذا مرتد خارج من الملة، فليعرف بأنه لو رُأي أو سُمِع أو قُرأ شيء أقل مما ذكرت، فقد لا يصل إلى الكفر، لكن ليُعلم بأن أصحابها أقل أحوالهم أنهم مجرمون. ومما ذكر أيضاً في القرآن، قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ(46)﴾ (المدثر: 39- 46)، فهذه جملة أخرى من صفات المجرمين، لو رأينا شيئاً منها، فلا نتردد بإطلاق الإجرام على أصحابها.