رياض سعد
مقدمة
في محافظات الجنوب العراقي، حيث تتكدّس الثروات النفطية وتنبض الأرض بخيراتٍ تكفي لبناء مستقبلٍ كريم، تتجلّى مفارقةٌ قاسية: بطالةٌ واسعة بين أبناء الأرض، مقابل حضورٍ كثيفٍ للعمالة الأجنبية الوافدة في الحقول النفطية والمشاريع الكبرى… ؛ ليست هذه الظاهرة مسألةً فنية أو إدارية فحسب، بل هي قضية سياسية–اقتصادية–اجتماعية تمسّ جوهر العدالة، والسيادة، وكرامة الإنسان.
البعد السياسي: مسؤولية الدولة والأحزاب
الأحزاب التي حكمت العراق، ولا سيما تلك التي رفعت شعار تمثيل الوسط والجنوب والاغلبية العراقية ، أخفقت في تحويل الثروة إلى تنمية، وفي بناء سياسات تشغيل تُعطي الأولوية لأبناء المحافظات المنتِجة… ؛ فبدل الاستثمار في التدريب ونقل المعرفة، جرى فتح الأبواب على مصاريعها للعمالة الأجنبية بعقودٍ مريحة، دون إلزامٍ حقيقيٍّ بنِسَب تشغيل محلية عادلة أو برامج إحلال تدريجي...!!
البعد الاقتصادي: أرقام صادمة ونزفٌ للعملة
تشير البيانات المتداولة عن ثلاث محافظات جنوبية فقط (البصرة، ذي قار، ميسان) إلى وجود ما يقارب 197 ألف عامل أجنبي في القطاع النفطي والخدمات المرتبطة به فقط .
ومتوسط أجر العامل الأجنبي: لا يقل عن 6,000 دولار شهريًا (نحو 7.8–8 ملايين دينار عراقي تقريبًا).
فئات متقدمة (مهندسون، مشرفون، خبراء): قد تصل أجورهم إلى 20–26 مليون دينار شهريًا أو أكثر.
حساب تقريبي :
197,000 عامل × 6,000 دولار = 1.182 مليار دولار شهريًا.
سنويًا ≈ 14.2 مليار دولار تخرج من الاقتصاد المحلي، دون احتساب الرواتب الأعلى.
هذا النزف لا يخلق قيمة مضافة محلية كافية، ولا يبني قاعدة مهارات وطنية، بل يعمّق التبعية ويُضعف السوق الداخلية.
البعد الاجتماعي: كرامة العمل والفجوة الطبقية
حين يُدفَع الشاب الجنوبي إلى أعمالٍ خدمية هامشية بأجورٍ متدنية، بينما يتقاضى الأجنبي أضعاف ذلك داخل القاعات المكيّفة، تتشكل فجوةٌ نفسية وطبقية خطيرة… ؛ الإحباط، فقدان الثقة بالدولة، الهجرة غير النظامية، وحتى الانكفاء الاجتماعي، كلها نتائج متوقعة.
قصة من واسط: مشهدٌ يلخّص المأساة
نقل لي أحد الإخوة من محافظة واسط أن شركة نفطية اتخذت مقرًا لها في إحدى مناطق المحافظة، وبدأت العمل منذ زمن، وكان جميع عمالها من الأجانب… ؛ وبعد اعتراض الأهالي، وبعد اللتيا والتي، وافقت الشركة—وعلى مضض—على تشغيل عددٍ محدود من شباب المنطقة، بأجورٍ زهيدة، وفي أعمالٍ خدمية أو درجاتٍ أدنى من العمال الأجانب…!!
يقول الراوي:
“كنا نفترش الأرض لنضع عليها طعامنا البسيط الذي جئنا به من بيوتنا، تحت شمسٍ لاهبة، بينما يجلس العمال الأجانب في قاعاتٍ جميلةٍ مكيّفة، تُقدَّم لهم أفضل الوجبات… ؛ وكان المهندسون والعمال الروس يمرّون من أمامنا ضاحكين، يستهزئون بأحوالنا، مستغربين كيف يحدث هذا ونحن أبناء البلد وأصحاب الثروة…!! ”
إنها ليست حكاية فردية، بل صورة مكثّفة لاختلالٍ عميق.
أمثلة على العمالة الأجنبية في الجنوب
تنتشر العمالة الصينية، الهندية، الباكستانية في الأعمال الفنية والإنشائية، والروسية في الإشراف والهندسة، والإيرانية في بعض الخدمات والدعم الفني، والآسيوية (فلبين، نيبال، إندونيسيا) في الخدمات، إلى جانب عمالة أوروبية وأفريقية في اختصاصات متعددة.
جدول مُنقَّح (تقديري) لجنسيات العمال الأجانب في ثلاث محافظات جنوبية
ملاحظة: الأرقام تقريبية متداولة وتحتاج إلى تدقيق حكومي رسمي منشور.
الدولة : العدد : الصين : 53,912 ؛ باكستان : 22,546؛ الهند21,675 : ؛ بريطانيا:13,591؛ روسيا: 13,384؛ مصر: 12,675 ؛ تركيا:11,937؛ جنوب أفريقيا:4,289 ؛ الولايات المتحدة: 3,819 ؛ الفلبين: 2,846؛ هولندا: 2,791 ؛ إيران: 2,758؛ إيطاليا: 2,736 ؛ السودان: 2,674؛ رومانيا2,571 ؛ أوغندا1,873؛ البوسنة والهرسك ؛ 1,761؛ نيبال1,718؛ أوزبكستان1,675؛ الجزائر1,627؛ اليمن1,257؛ نيجيريا1,067؛ كندا957؛ تونس952؛ أوكرانيا 842 ؛ مقدونيا827؛ إندونيسيا826 ؛ أستراليا719 ؛ ليبيا689؛ صربيا675؛ إيرلندا651؛ الأردن627؛ فنزويلا579؛ بلغاريا548؛ كولومبيا384؛ البرازيل358؛ فرنسا351 ؛ المكسيك302 ؛ ألمانيا285؛ أرمينيا181؛ الإكوادور180؛ هنغاريا133؛ أذربيجان92؛ إسبانيا84؛ البرتغال67؛ المغرب62؛ النرويج57؛ الأرجنتين46؛ فنلندا؛24الدنمارك23 …!!
الآثار السلبية المترتبة :
*استنزاف مالي كبير للعملة الصعبة.
*تعميق البطالة بين الشباب المحلي.
*غياب نقل المعرفة الحقيقي وبناء القدرات الوطنية.
*اختلال اجتماعي ونفسي وشعور بالغبن وفقدان الثقة.
*إضعاف السيادة الاقتصادية والاعتماد المفرط على الخارج.
خاتمة: ما المطلوب؟
الحل ليس في طردٍ فجائيٍّ أو شعارات، بل في سياسات ملزمة:تحديد نِسَب تشغيل محلية واضحة وقابلة للرقابة... ؛ ربط العقود ببرامج تدريب ونقل معرفة وإحلال تدريجي… ؛ توحيد سلّم الأجور وفق معايير عادلة... ؛ شفافية كاملة في الأرقام والعقود والامتيازات ... .
إن ثروة الجنوب يجب أن تكون جسرًا للكرامة والعدالة، لا شاهدًا على التهميش… ؛ فالبلاد التي تُهمل أبناءها عند أبواب ثرواتها، تُراكم أزماتٍ لا تُحلّ بالأرقام وحدها، بل بإرادةٍ سياسيةٍ صادقة.