الوحدة في زمرة الجموع: الانزياح الرقمي عن العالم الحقيقي

رياض سعد

*حين نجلس معًا… ويتفرّق القلب في الشاشات

رغم الجلوس في فُسحة المكان نفسها، إلا أن كلًّا منّا يسبح في فلكٍ مُغاير؛ عوالم افتراضية بناها هاتفٌ صغير، قرّب القاصيَ لكنه شتّت القريب… ؛ لقد صارت هذه الأجهزة، بوصلةً موصولةً بالعالم الافتراضي، كونًا موازيًا يتّسع حتى يُصبح هو العالمَ الأكثر حضورًا وحقيقةً، بينما يُصبِح لقاءُنا بمن حولنا – وهم يُلاحقون شاشاتٍ لا تفارق أيديهم – مجرد ظِلّ واهٍ، واقعةً تذهب سُدى… ؛  نعم، لقد انقلبت الموازينُ رأسًا على عَقِب.

فما عادَ للاجتماع العائلي بهجة، ولا للقاء الأحبة طعم، فكلٌّ مشغولٌ بعالمه الإلكتروني المُصغَر، لا مساحة في عقله أو وقتٍ من يومه ليبذله لمن يجلس إلى جواره… ؛  لقد سلبت هذه الظاهرةُ العلاقاتَ الاجتماعيةَ نَكهتَها ودفءَها العفوي، وكأنّ الناس استعاضوا عن دفء اللقاءات وحيوَة المناسبات ببرد الرسائل النصية وومضات الإعجاب… ؛  حتى اجتماعات العمل لم تسلم، فصار كثيرٌ منها يُدار من خلف شاشات باردة، تَفرِض حاجزًا زجاجيًا بين الأرواح قبل الأجساد.

نعم , لقد تحوّلت أجهزة الاتصال المرتبطة بالإنترنت إلى عالمٍ موازٍ، بل كأنها صارت هي العالم الحقيقي ذاته، فيما غدا اللقاء المباشر وهمًا عابرًا أو طقسًا شكليًا لا روح فيه… ؛ انقلبت الأمور رأسًا على عقب؛ فأصبحنا نلتقي بأشخاص لا يفارقون أجهزتهم، نراهم ولا نلامسهم، نسمع أصواتهم ولا نصغي إليهم، نشاركهم المكان ونفقدهم في المعنى… ؛ كأن الوجود الفيزيائي لم يعد شرطًا للحضور الإنساني، وكأن العلاقات اكتفت بصورةٍ وصوتٍ ورسالةٍ مقتضبة …!!

فماذا بقي للإنسان من حظّ العاطفة بعد هذا التحوّل الجذري , وهل سنستعيد يومًا قدرة الجلوس معًا… ؛ دون أن تفرّقنا الشاشات ؟!

 لقد أصبحت المشاعر سلعًا تُستَهلَك بنقرة، والوجود المشترك مُجرّد صورةٍ خلفيةٍ في مسرح الحياة الافتراضية… ؛ نحن أمام مفارقة وجودية: اتصالٌ لا يُقرّب، ووفرةٌ في التواصل تلد فقرًا عاطفيًا… ؛ لقد غدونا جزرًا معزولةً في محيط من الأصوات والصور، نبحث عن صدى لأنفسنا في العالم الرقمي، بينما يفوتنا صُدود الأرواح الحقيقية التي تشاركنا مَكانَنا وزمانَنا… ؛  إنها وحدةٌ جديدة، مُزيّفةُ الدفء، تختفي وراء وهج الشاشات الباهت… ؛و لم تعد المائدة تجمع القلوب قبل الأجساد، ولا السهرة تمتدّ لتغذية الروح… ؛ الكل مشغول بجهازه الإلكتروني، كلٌّ في جزيرته الرقمية، لا مجال لديه لمدّ جسرٍ حقيقي نحو الآخر… ؛ وهكذا فقدت العلاقات الاجتماعية نكهتها وميزتها، وتحوّلت من تجربة حيّة إلى تبادل معلومات بارد، ومن حوارٍ نابض إلى إشارات سريعة لا تحمل ثقل الشعور.

* مفارقة الوحدة في زمن الاتصال المطلق

نعم , نعيش اليوم واحدة من أعظم المفارقات الوجودية: فبينما نحن جالسون جسديًا في أضيق الحيزات المكانية مع أحبائنا، تسبح أرواحنا في فضاءات رقمية لا متناهية… ؛ لقد تحول الهاتف الذكي من أداة اتصال إلى بيئة وجود شاملة، أعادت رسم خريطة العلاقات بين الذات والآخر، وبين الحقيقي والافتراضي، وبين الجسد والروح… ؛ هذه الظاهرة ليست مجرد عادة اجتماعية عابرة، بل هي “تحول رقمي” جذري يطال البنية الفكرية والقيمية للإنسان برمته، ويشكل حدثًا أنطولوجيًا (وجوديًا) يفرض إعادة نظر في أسس فهمنا لأنفسنا ولمجتمعاتنا.

* التحليل الاجتماعي: تفكك النسيج العاطفي ومحو الحدود بين العام والخاص

 تفكك المحافل الاجتماعية التقليدية: فقدت التجمعات العائلية واجتماعات الأصدقاء نكهتها الحميمية… ؛ فالمقعد الواحد يجمع أجسادًا متقاربة، لكنها منفصلة عاطفيًا ومعرفيًا، كل منها منغمس في مجتمعه الافتراضي… ؛ وهذا يؤدي إلى “زيادة الانفصال الحضوري” وفقدان المحادثات القلبية التي تبنى فيها الثقة وتنتقل فيها القيم العائلية… ؛  حتى اجتماعات العمل لم تسلم، فأصبحت تُدار عبر شاشات تذيب الفروق بين الحياة الخاصة والعملية، وتُفقد التفاعل الإنساني ثراءه غير اللفظي كما اسلفنا .

 “مجتمعون لوحدنا”: تصف عالمة النفس شيري توركل هذه الحالة بـ “Alone Together“، حيث نكون معًا جسديًا لكننا نعيش في فقاعاتنا الرقمية المعزولة… ؛  الإشعارات المستمرة تشتت الانتباه وتجعل الحضور الجسدي مجرد حضور جزئي، مما يُضعف مهارات التواصل الاجتماعي الأساسية كفهم لغة الجسد ونبرة الصوت لدى الكبار والصغار على حد سواء.

 الديمومة والانتشار: تظهر الإحصائيات عمق التأثير، حيث قد يصل متوسط الوقت اليومي على الهاتف إلى ساعتين و51 دقيقة، مقارنة بأقل من 45 دقيقة مع العائلة.

*التحليل النفسي: الاضطراب الداخلي وإدمان الموافقة الاجتماعية

• إدمان سلوكي وتشوهات عقلية: الاستخدام المفرط يخلق حالة من “الإجهاد الرقمي” والتوتر الدائم بسبب الاتصال المستمر… ؛ كما يظهر اضطرابات مثل:

  • رهاب فقدان الهاتف (النوموفوبيا).

  • الخوف من فوات الشيء (الفومو)، وهو قلق دائم من فقدان الأحداث أو الأخبار على المنصات الاجتماعية.

  • متلازمة الاهتزاز الوهمي.

• تأثير على الصحة العقلية: تربط الدراسات بين الاستخدام المفرط وارتفاع معدلات القلق والاكتئاب… ؛ وتُعد “ثقافة المقارنة” السبب الرئيسي، حيث يتعرض المستخدمون بشكل مستمر لصور اصطناعية لحياة “مثالية” للآخرين، مما يولد شعورًا بعدم الكفاءة والنقص.

• تأثير على التركيز والإدراك: يؤدي التنقل بين المحتويات بلا هدف (العقل المضطرب) إلى تقليص مدى الانتباه وإضعاف القدرة على التركيز العميق… ؛  كما أن الاعتماد على محركات البحث كامتداد للذاكرة (تأثير غوغل) قد يؤثر سلبًا على قدرات التذكر الطبيعية.

*التحليل الفلسفي والوجودي: أزمة الهوية وسؤال الحقيقة في العصر الرقمي

• تشظي الهوية وإنتاج الذات الرقمية: لم يعد للإنسان هوية واحدة متسقة، بل صار لديه “هوية رقمية موازية” تُصمم وتُعرض على المنصات الاجتماعية… ؛ هذه الهوية المُنتَجة انتقائيًا، والتي تركز على تعزيز الذات والمثالية، تُغذي النرجسية المجتمعية (كما تُظهر ظاهرة “السيلفي”) وتجعل العلاقة مع الذات علاقة أدائية تستمد قيمتها من إعجابات الآخرين الرقمية.

• السيطرة الخوارزمية وإفقاد الواقع: تعمل خوارزميات منصات التواصل على حبس المستخدم في “فقاعات تصفية” أو “غرف صدى”، حيث لا يرى إلا المحتوى الموالي لاهتماماته ومعتقداته السابقة… ؛  هذه الآلية لا تهدد التعددية الفكرية فحسب، بل تطرح سؤالًا فلسفيًا عميقًا عن طبيعة الحقيقة والمعرفة في عصر تحكم فيه الخوارزميات بما نراه ونؤمن به.

• الاغتراب عن الجسد واللحظة الراهنة: يشجع التواصل الرقمي على “الوجود المعطّل”، حيث ينفصل الفرد عن جسده ومحيطه المادي المباشر… ؛ فالحضور يصبح حضورًا في عالم آخر، مما يفقد اللحظة الراهنة قدسيتها وغناه الحسي، ويضعف القدرة على التماهي الكامل مع التجربة المباشرة.

* التوصيات: نحو استعادة متوازنة للوجود

مواجهة هذا التحول تتطلب وعيًا واعيًا وخطوات عملية:

• ممارسة “الديتوكس الرقمي”: بتخصيص فترات يومية أو أسبوعية خالية تمامًا من الأجهزة.

• وضع حدود واضحة: مثل منع الأجهزة من غرف النوم لتحسين جودة النوم، وإيقافها قبل النوم بساعة على الأقل.

• إعادة تأهيل المحافل الاجتماعية: بتخصيص أوقات عائلية أو مع الأصدقاء تكون “خالية من التكنولوجيا”، والانخراط في أنشطة مشتركة تعيد بناء التواصل العاطفي المباشر.

• التربية على الوعي الرقمي النقدي: تطوير وعي ذاتي بكيفية استخدام التكنولوجيا وتأثيرها على المزاج والتفكير، وفهم آليات عمل المنصات والخوارزميات لتجنب الوقوع في فخاخها السلوكية والمعرفية.

*خاتمة

ظاهرة الانشغال بالهواتف في الاجتماعات هي مجرد قمة جبل جليد لتحول وجودي أشمل… ؛  إنها قصة اغتراب الإنسان عن محيطه المباشر، وعن جوانب من ذاته، في سبيل تحقيق اتصال افتراضي قد يبدو واسعًا لكنه غالبًا سطحي ومشروط. التحدي الحقيقي لا يكمن في رفض التكنولوجيا، بل في استعادة السيادة الإنسانية عليها، والتمسك بحقنا في الوجود الكامل غير المجزأ في عالمنا المادي، وفي علاقاتنا الحقيقية التي تظل المنبع الأساسي للمعنى والعاطفة.