د. فاضل حسن شريف
جاء في التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله عز وجل عن يصبها “وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ” ﴿البقرة 265﴾ بعد أن ضرب اللَّه مثلا لصدقة المراءين والمؤذين ضرب مثلا في هذه الآية لصدقة المخلصين، كما هو شأنه عز وجل في المقابلة بين الضدين، وإذا كانت صدقة أولئك كصفوان عليه تراب فان صدقة هؤلاء كجنة في مرتفع من الأرض، عميقة التربة، لا يخشى عليها من السيول، كما هي حال حفنة التراب على الحجر الأملس، وهذه الجنة تثمر في السنة مثلي ما يثمر غيرها في المعتاد، ولا تمحل إطلاقا، لجودة تربتها، ويكفيها القليل من الري، حتى الندى، لرطوبة ثراها، واعتدال جوها، وهذا هو معنى قوله: فآتت أكلها – أي ثمرها – ضعفين فان لم يصبها وابل مطر غزير فطل، وهو الندى. أما قوله: “ابتغاء مرضاة اللَّه وتثبيتا من أنفسهم” فإنه إشارة إلى أمرين: الأول ان المؤمنين يطلبون مرضاة اللَّه من الإنفاق. الثاني ان هذا الإنفاق كان بدافع من أنفسهم، لا بدافع خارجي: وقيل: تثبيتا من أنفسهم معناه انهم يجاهدون أنفسهم، ويمرنونها على الطاعة بالبذل. وهذا المعنى يصح إذا كانت من هنا بمعنى اللام، كقوله تعالى “مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا” أي لخطاياهم، وكقول الفرزدق في الإمام زين العابدين: يغضي حياء ويغضى من مهابته.. قوله جل جلاله “أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ” ﴿البقرة 266﴾ هذه الآية تصلح مثلا لكل من عمل عملا صالحا، وأتبعه بما يذهب بأجره وثوابه، كالمن والأذى، أو الرياء والنفاق، والكفر والشرك، فحال كل واحد من هؤلاء، ومن إليهم حال من كانت له جنة ينتفع بها هو ومن يعول، فأصابتها جائحة أودت بها، وهو أحوج ما يكون إليها لشيخوخته، وضعف ذريته، وعجزهم عن القيام بشأنه وشأنهم، ولا مورد له غير هذه الجنة. ووجه التمثيل ان من يفعل الخير ويفسده يأتي يوم القيامة، وهو أشد ما يكون حاجة إلى ثواب ما عمل، ولكنه يجد عمله هباء منثورا حيث لم يقصد به وجه اللَّه، ويصبح عاجزا لا يقدر على شيء، تماما كالشيخ الذي احترقت جنته بعد أن أقعده الكبر عن الكسب، وله أولاد ضعفاء يلحون عليه بطلب أقواتهم. وبهذا نجد تفسير قوله تعالى: “وأَصابَهُ الْكِبَرُ ولَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ”. وقال المفسرون: انما خص النخيل والأعناب بالذكر لأنهما أحسن الفواكه نفعا وطعما ومنظرا. وجاء جوابهم من وحي العصر الذي عاشوا فيه، حيث لا خوخ ولا تفاح ولا إجاص ولا برتقال. ولو كانوا في هذا العصر لقالوا: انما خصهما بالذكر لأنهما كانا خير الفواكه يومذاك، وبهذا يتبين معنا ان الحكم على الأشياء الطبيعية يجب أن يكون نسبيا مقيدا بالزمان والمكان. وتسأل: ألا يتنافى التخصيص في قوله تعالى: “جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وأَعْنابٍ” مع التعميم في قوله: “لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ”؟. الجواب: من الجائز ان أشجار النخيل والأعناب هي الكثرة الغالبة في الجنة. ويجوز أيضا أن يكون المراد بالثمرات المنافع، ويكون المعنى ان صاحب الجنة متمتع بجميع منافعها وفوائدها.
وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله جل جلاله “أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ” ﴿البقرة 266﴾ هنا يضرب القرآن مثلاً آخر يبيّن حاجة الإنسان الشديدة إلى الأعمال الصالحات يوم القيامة، وكيف أنّ الرياء والمنّ والأذى تؤثّر على الأعمال الصالحات فتزيل بركتها. تجسّد هذا التمثيل في صاحب مزرعة مخضرة ذات أشجار متنوّعة كالنخيل والأعناب، وتجري فيها المياه بحيث لا تتطلّب السقي، لكن السنون نالت من صاحبها وتحلّق حوله أبناؤه الضعفاء، وليس ثمّة ما يقيم أودهم سوى هذه المزرعة، فإذا جفّت فلن يقدر هو ولا أبناؤه على إحيائها، وفجأةً تهبّ عاصفة محرقة فتحرقها وتبيدها. في هذه الحالة ترى كيف يكون حال هذا العجوز الهرم الذي لا يقوى على الإرتزاق وتأمين معيشته ومعيشة أبنائه الضعفاء؟ وما أعظم أحزانه وحسراته. “أَيودّ أحدكم أن تكون له جنّة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار فيها من كل الثمرات وأصابه الكبرُ وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصارٌ فيه نارٌ فاحترقت”. إنّ حال أُولئك الذين يعملون عملاً صالحاً ثمّ يحبطونه بالرياء والمنّ والأذى أشبه بحال من تعب وعانى كثيراً حتّى إذا حان وقت اقتطاف النتيجة ذهب كلّ شيء ولم يبق سوى الحسرات والآهات. وتضيف الآية: “كذلك يبيّن الله لكم الآيات لعلّكم تتفكّرون”. لمّا كان منشأ كلّ تعاسة وشقاء ـ وعلى الأخصّ كلّ عمل أحمق كالمنّ على الناس ـ هو عدم أعمال العقل والتفكير في الاُمور، فإنّ الله في ختام الآية يحثّ الناس على التعمّق في التفكير في آياته “كذلك يبيّن اللهُ لكم الآيات لعلّكم تتفكّرون”.
قال الله تعالى “أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ” (البقرة 266) عن الدكتور عبد الدائم كحيل في صفحة اسرار الاعجاز العلمي: يقول الإمام ابن كثير: قال تعالى: “وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار” (البقرة 266) وهو الريح الشديد (فيه نار فاحترقت) أي: أحرق ثمارها وأباد أشجارها، فأي حال يكون حاله. وقيل لها إعصار لأنها تلتف كالثوب إذا عصر. الذي يميز إعصار النار عن غيره وجود النار بداخله مما يضاعف من قوته التدميرية، حيث يتميز هذا الإعصار بقدرته على إتلاف المحاصيل والممتلكات بالإضافة لإحراق الغابات والبيوت. وعلى الرغم من تكرار حدوث هذا الإعصار في السنوات القليلة الماضية إلا أنه لم تتم دراسته دراسة كافية أو معرفة الأسباب الحقيقية لنشوئه، ولكن يربط العلماء هذا الإعصار بوجود حرائق غابات واقتراب إعصار منها مما يؤدي لتشكل نواة من اللهب تدور بحركة أفقية وحركة عمودية للأعلى. ويحدث إعصار النار مرة واحدة في السنة في الولايات المتحدة كما حصل في شمال كاليفورنيا منتصف شهر اب 2020 وذكره القران الكريم في الآية اعلاه. ويبلغ قطر نواة إعصار النار النموذجي أقل من متر وطوله بحدود 30 متراً وفي حالة الأعاصير القوية يبلغ قطر نواة النار أكثر من عشرة أمتار ويمتد لأكثر من 300 متر عالياً.
قال الله تبارك وتعالى “أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ” (البقرة 266) عن حرب الاعاصير في موقع اعجاز القران والسنة: الإعصار رياح شديدة دوارة وسطها منخفض الضغط، وقد تمتد أطرافها لتصل إلى 800 كيلومتر ويصل ارتفاعها إلى 16 كيلومتر وقد تجمع عدة سحب رعدية ممطرة، ورغم أن السرعة قد تصل عند أطرافها إلى مئات الكيلومترات في الساعة لكن المركز المسمى عين الإعصار يظل في غآية الهدوء ويخلو من السحب، وعندما يتحرك الإعصار فوق مياه المحيطات فإن سرعة الريح عند الأطراف تؤثر على حركة المياه فتنشأ الأمواج العالية المدمرة التي قد يصل ارتفاعها إلى عدة أمتار، وتتكون الأعاصير بسبب التسخين غير المتساوي للهواء وماء المحيطات في المناطق الاستوائية، وعند صعود الهواء المتخلخل والمشبع بالماء إلى أعلى تديره التيارات العلوية كدوران الماء عند نزوله من فتحة حوض غسيل الأيدي، وكلما مر بمنطقة بحرية دافئة تغذيه يزداد قوة، ولكن عند مروره باليابسة فإنه يفقد بعض من قوته مقابل ما يلحق بتلك المنطقة من أضرار، وهكذا ينشأ الإعصار كمنخفض جوي Depression يدفع الهواء حوله للدوران بسرعة متزايدة، وعندما تزيد سرعة الريح عن 119 كيلومتر في الساعة يطلق عليها اسم إعصار، ويسمى إعصار منطقة الأطلنطي محليا باسم هاريكان Hurricane باسم إله الأعاصير في معتقد الهنود الحمر، ويسمى إعصار المحيط الهادي سيكلون Cyclone وهي كلمة إغريقية الأصل تعني رياح دوارة، ويسمى إعصار الجزء الغربي من المحيط الهادي بالقرب من الفلبين والصين وبنغلادش تيفون Typhoon وأصلها كلمة “طوفان” العربية، والأعاصير الرعدية Thunderstorms من أشد الأعاصير قوة ويصاحبها برق ورعد، لأن السحب المشحونة كهربيا تدخل في تكوينها، وقد تصدر تلك الأعاصير صواعق تزيد من شدة المأساة بإشعال الحرائق ومضاعفة الدمار، وتتفق تلك المعرفة الحديثة مع قوله تعالى: “” فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ” (سورة البقرة 266). ووفق مقياس سافير سيمسون SaffirSimpson تقسم الأعاصير إلى 5 درجات تبعا لسرعة الريح عند طرف الإعصار. الفئة الأولى من 119 إلى 153 كم في الساعة. والثانية من 154 إلى 177 كم في الساعة. والثالثة من 178 إلى 209 كم في الساعة. والرابعة من 210 إلى 249 كم في الساعة. والفئة الخامسة تشمل 250 كم في الساعة وما زاد عليها.