العراق بين منطق الإمبراطورية ومنطق المجتمع: لماذا فشل إخضاعه بالقوة من بريطانيا إلى أمريكا؟

رياض سعد

يقدّم التاريخ العراقي، منذ مطلع القرن العشرين، نموذجًا مركّبًا لفشل المشاريع الاستعمارية حين تصطدم ببنية اجتماعية-نفسية-ثقافية عصيّة على الاختزال العسكري… ؛  وتكشف الدراسة المنشورة في جامعة بوسطن الأميركية، التي تتناول تجربة الاحتلال البريطاني للعراق بعد الحرب العالمية الأولى، عن عمق هذا الفشل – والتي اطلع عليه احد الكتاب والباحثين العراقيين – ، لا بوصفه خطأً عسكريًا فحسب، بل باعتباره سوء فهم جذري لطبيعة المجتمع العراقي وآليات اشتغاله التاريخية والأنثروبولوجية … ؛ اذ تشكل هذه الدراسة  مدخلاً بالغ الأهمية لتحليل معمق لتجربة الاحتلال البريطاني للعراق (1914-1932) وفشلها في إخضاع المجتمع العراقي… ؛ و لا يمكن فهم هذا الفشل بمعزل عن تشابك عوامل سياسية، تاريخية، أنثروبولوجية، نفسية واجتماعية، تَكشِف عن هوة سحيقة بين الرؤية الاستعمارية والواقع المحلي المعقد.

*تشخيص لورنس… شهادة من داخل المشروع الإمبراطوري

تكتسب آراء توماس إدوارد لورنس (لورنس العرب) أهمية استثنائية لأنه لم يكن ناقدًا خارجيًا، بل كان جزءًا من المنظومة البريطانية نفسها… ؛  فقد رأى بوضوح أن الاحتلال البريطاني لبغداد وإدارة العراق كان كارثيًا في جوهره، وحذّر مبكرًا من نتائجه… ؛ اذ قال لورنس صراحة، وبنبرة أقرب إلى الاعتراف المتأخر:

«لقد أُدخل الشعب البريطاني في العراق في فخّ يصعب الخروج منه بكرامة وشرف… ؛  نحن اليوم لسنا بعيدين عن كارثة… ؛  إن الانتداب في العراق فشل فشلًا مكلفًا؛ فالعراق لا يُحكم بالقوة العسكرية وحدها، وكل جندي بريطاني هناك يخلق عشرة أعداء… »

هذه العبارة او بالأحرى الشهادة التاريخية ، لا تعبّر عن رأي شخصي معزول، بل عن خلاصة تجربة ميدانية اصطدمت بالواقع العراقي المعقّد، حيث تتحوّل القوة العسكرية من أداة للضبط إلى محرّك دائم للتمرّد والعصيان الشعبي .

*المقارنة مع مصر… وهم القياس الإمبراطوري

تعتمد الدراسة الأميركية على مقارنة لافتة بين التجربتين البريطانية في مصر والعراق، وهي مقارنة تكشف خلل التفكير الاستعماري ذاته… ؛  ففي مصر، حكم اللورد إيفلين بارينغ (كرومر) فعليًا من عام 1883 حتى 1907، وسيطرت بريطانيا على بلدٍ يتراوح عدد سكانه بين 6 و10 ملايين نسمة بقوة عسكرية محدودة نسبيًا (عشرات الآلاف من الجنود).

أما في العراق، فقد كان عدد السكان بعد الحرب العالمية الأولى يقارب 3 ملايين نسمة فقط، ومع ذلك اضطرت بريطانيا إلى نشر ما بين 80 و100 ألف جندي في بعض الفترات، ولا سيما بين عامي 1920 و1921… ؛  ورغم هذا الحضور العسكري الكثيف، لم يتحقق “الاستقرار” المنشود، بل على العكس : تكاليف مالية هائلة... ؛ وخسائر بشرية متصاعدة … ؛ و تمرّدات مستمرة ومتجددة، توّجت بثورة العشرين... .

هنا يتهاوى منطق القياس العددي البسيط… ؛  فالمشكلة لم تكن في عدد السكان، بل في طبيعة المجتمع.

*التحليل الاجتماعي والأنثروبولوجي: بنية المجتمع العراقي “غير القابلة للاحتواء”

يكمن أحد أسباب الفشل الرئيسية في سوء تقدير البنية الاجتماعية العراقية… ؛ فالمجتمع العراقي، خاصة خارج المدن الكبرى، كان مجتمعًا قبليًا محافظًا ومتماسكًا، يتمتع بسلطة زعامات محلية (مشايخ) قوية وولاءات عميقة تتجاوز مفهوم الدولة الحديثة… ؛  هذه البنية المتماسكة والمتشبثة بأرضها وثقافتها شكلت نسيجًا اجتماعيًا صلبًا ومقاومًا للتذويب… ؛  القبيلة لم تكن كيانًا عسكريًا فحسب، بل كانت منظومة اقتصادية وقضائية واجتماعية متكاملة… ؛ و محاولة بريطانيا تفكيك هذه المنظومة أو إخضاعها لسلطة مركزية أجنبية، قوبل برد فعل عنيف وكاسح، كما حدث في ثورة العشرين (1920) التي شاركت فيها شرائح واسعة من مختلف المناطق والطوائف، مما أثبت أن العداء للاحتلال كان قاسمًا مشتركًا أعلى من الانقسامات الداخلية… ؛ فالتحليل الأنثروبولوجي يُظهر أن “القانون العشائري” وقيم الشرف والكرامة والاستقلال كانت أقوى من القوانين المفروضة بالقوة.

نعم , فشل الحكم الإمبراطوري في العراق لأنه تعامل معه كوحدة سياسية صمّاء، بينما هو في الحقيقة نسيج معقّد من : انقسامات عشائرية، لا تلغيها الدولة بل تعيد توظيفها... ؛ وبنية دينية- رمزية تمنح الفعل المقاوم شرعية أخلاقية تتجاوز الحسابات السياسية... ؛ وذاكرة تاريخية مثقلة بتجارب الغزو، تجعل “السلطة الخارجية” موضع ريبة دائمة... الخ .

فمن منظور أنثروبولوجي، لم يكن العراقي “رافضًا للسلطة” بقدر ما كان رافضًا للسلطة المفروضة من خارج منظومته الرمزية… ؛  ولذلك تحوّل الجندي البريطاني، كما قال لورنس، إلى منتج للأعداء لا إلى أداة إخضاع.

*التحليل النفسي والاجتماعي: ديناميكية المقاومة والتمرد وتشكّل الهوية الوطنية

يشير تحذير لورنس الدقيق بأن”كل جندي بريطاني يخلق عشرة أعداء” إلى فهم عميق للديناميكية النفسية للمقاومة… ؛ فالحضور العسكري البريطاني المكثف (80-100 ألف جندي مقابل 3 ملايين عراقي) لم يكن رمزًا للأمن، بل للإذلال والتهديد الدائم… ؛ و أعمال القمع العسكري، مثل القصف الجوي للقرى، حوّلت الغضب المحلي من حالة عابرة إلى كراهية عميقة ورغبة جامحة في الثأر، مما وسع قاعدة المقاومة… ؛ فقد عمل الاحتلال على إنتاج إحساس جمعي بالإهانة والتهديد الوجودي، لا سيما حين ترافقت الإدارة العسكرية مع جهل بالرموز المحلية وأنماط الشرف والزعامة في العراق … . 

نعم ,  نفسيًا، ساهم الاحتلال في تسريع عملية تشكيل هوية وطنية عراقية جامعة، حيث غذّى المشروع الاستعماري الشعور بالمظلومية المشتركة، ووحّد العراقيين – ولو مؤقتًا – ضد عدو خارجي واضح، محوّلًا الانتماءات الأولية (العشيرة، الطائفة، المنطقة) إلى وعي وطني أوسع في مواجهة المحتل... .

*من فيصل إلى 2003… تكرار الدرس نفسه

وسياسيًا , قد أخطأت بريطانيا حين افترضت أن السيطرة العسكرية تسبق الشرعية، بينما أثبت الواقع العراقي أن الشرعية هي شرط السيطرة، لا نتيجتها.

من هنا جاءت خلاصات لورنس الحاسمة : العراق أصعب من مصر… ؛ الحكم المباشر خطأ استراتيجي… ؛ القوة العسكرية وحدها لا تنجح… ؛ الحل الوحيد الممكن هو حكم محلي بواجهة وطنية… .

بناءً على هذه القناعة، اتجهت بريطانيا لاحقًا إلى تنصيب الملك فيصل الأول، في محاولة لإنتاج سلطة محلية بغطاء قومي عربي تخفف من كلفة الاحتلال المباشر… ؛  والمفارقة التاريخية أن هذا النموذج نفسه أُعيد إنتاجه، بحذافيره تقريبًا، من قبل الولايات المتحدة بعد عام 2003:احتلال عسكري، فشل في الضبط، ثم انتقال إلى حكم محلي شكلي، تحت ضغط الواقع الاجتماعي-النفسي ذاته.

*خاتمة : الاستخلاص المعاصر: صدى التاريخ

إن الدقة اللافتة في تحليل الدراسة تكمن في الربط الضمني الذي أشار إليه النص الأصلي: لقد طبقت الولايات المتحدة، بعد غزوها للعراق عام 2003، نفس الأخطاء بحذافيرها بشكل مذهل: الحكم المباشر عبر سلطة الائتلاف المؤقتة، وتفكيك مؤسسات الدولة (خاصة الجيش)، وتجاهل البنى الاجتماعية المعقدة، والاعتماد المبدئي على القوة العسكرية الصرفة، مما أدى إلى إشعال تمرد واسع وفوضى طائفية… ؛ و العبرة التي لم تُستوعب هي أن بعض المجتمعات، بسبب تركيبها التاريخي والاجتماعي والنفسي المتراكم، ترفض أن تُحتَل أو تُفرض عليها إرادات خارجية بشكل مباشر وقاسٍ، وأن أي محاولة للهيمنة ستواجه بأشكال من المقاومة تجعل كلفة السيطرة تفوق أي فائدة مُتخَيّلة… ؛ و تُجسّد التجربة البريطانية في العراق، كما تحللها الدراسة الأمريكية، نموذجًا كلاسيكيًا لفشل القوة الخشنة وحدها في مواجهة إرادة مجتمع متجذر في تاريخه وترابه.

إن تمرد العراقيين لم يكن حدثًا عابرًا ولا ردّ فعل آنيا، بل تعبيرًا بنيويًا عن مجتمع يرفض أن يُختزل إلى معادلة عسكرية… ؛  وفشل بريطانيا في إخضاع العراق لم يكن نتيجة نقص في القوة، بل فائض في سوء الفهم… ؛  وهذا ما يجعل التجربة العراقية درسًا تاريخيًا متكررًا: الإمبراطوريات يمكنها احتلال الأرض، لكنها كثيرًا ما تعجز عن احتلال المعنى … .