اشارات الشهيد السيد محمد باقر الحكيم عن القرآن الكريم من سورة الانعام (ح 122)

د. فاضل حسن شريف

جاء في کتاب الإخوة الإيمانية من منظور الثقلين للسيد محمد باقر الحكيم: نظرية الأخوة الاجتماعية: و نبدأ في تصور هذه النظرية و شرحها من علاقة الأخوة في الإسلام. و يفترض القرآن الكريم- كنا قرأت عليكم- بأنّ العلاقة بين المؤمن و المؤمن هي علاقة الأخوة، و علاقة الأخوة علاقة ذات طبيعة تاريخية و واقعية و تكوينية في حياة الإنسان و البشرية، و قد بدأت هذه العلاقة منذ آدم عليه السّلام بعد أن منّ اللّه سبحانه و تعالى عليه إذ خلق له زوجة و أسكنها الجنة، ثم شاء اللّه سبحانه و تعالى في القصة المعروفة أن يهبط آدم من الجنة إلى الأرض، ليمارس دوره في هذه الحياة الدنيا، و رزقه اللّه سبحانه و تعالى أولادا، فكانت علاقة الأخوة بين هؤلاء الأولاد، كما يعبر عنها القرآن الكريم بذلك في قصة ابني آدم عليه السّلام، و استمرت هذه العلاقة في تاريخ الإنسانية منذ ذلك الحين إلى يومنا هذا، و سوف تستمر حتى يأذن اللّه بفناء هذه البشرية، و هي علاقة امتاز بها البشر على بقية المخلوقات. فقد جاء في قوله تعالى: “وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ* لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ* إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَ إِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَ ذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ* فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ* فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى‌ أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ” (الأنعام 27- 31). و هذه العلاقة بالرغم من أنّها من العلاقات التكوينية القائمة في حياة الإنسان، لكن مع ذلك نلاحظ بأنّ القرآن الكريم أختار عنوان هذه العلاقة من أجل أن يطلقها على علاقة الإنسان المؤمن بالمؤمن و المسلم بالمسلم‌ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ” (الحجرات 10)، مع أنّه تجد هناك علاقات أخرى تكوينية بين الناس إلى جانب علاقة الأخوة، مثل علاقة الأبوة و البنوة، أو علاقة الزوجية، أو علاقة العشيرة و القبيلة و القوم و الرحم، و هي- أيضا- علاقات قائمة في حياة الناس، لها مداليلها و آثارها و حقوقها و واجباتها، فلما ذا اختير خصوص هذا العنوان و المثال للتعبير عن العلاقة بين المؤمنين دون بقية العناوين الأخرى؟ فلم توضع علاقة الأبوة مثلا بين المؤمنين، بحيث يكون المؤمن أبا المؤمن من أجل التعبير عن حالة الرحمة و الحنان بين المؤمنين، كما أشار القرآن الكريم إلى ذلك في علاقات المؤمنين: “رُحَماءُ بَيْنَهُمْ” (الفتح 29)، أو علاقة البنوة بحيث تكون علاقة المؤمن مع المؤمن الآخر علاقة التذلل و التواضع، فيرحمه في تذلله و تواضعه، كما أشار القرآن الكريم الى هذه العلاقة بين المؤمنين في قوله تعالى: “أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ” (المائدة 54)، عند ما وصف المؤمنين الصالحين بها، و المقصود من الذلة هنا هو خفض الجناح، كما ورد تفسيرها في علاقة البنوة “وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ” (الاسراء 24)، فإنّ الابن يخفض جناحه لأبيه في مقام التعبير عن الرحمة، و هكذا الحال بالنسبة إلى عنوان الزوجية، فإن بعض المعالم التي سوف نقرؤها في بعض الروايات و الأحاديث عن علاقات المؤمنين تشير إلى أنّ المؤمن سكن للمؤمن و علاقة الزوجة هي علاقة السكن، كما أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: “وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً” (الروم 21)، فهي علاقة السكن و المودة و الرحمة، إذن، فلما ذا اختير عنوان الأخوة دون عنوان الأبوة أو غيره من‌ العناوين الأخرى؟ يبدو من خلال التأمل و التدبر في القرآن الكريم، و طبيعة هذه العلاقات التي يشير إليها القرآن الكريم و الروايات الشريفة- و اللّه أعلم- أنّ هذه العلاقة هي أقرب علاقة تكوينية بين شخصين، و لكن مع أخذ حالة التكافؤ و التوازن فيها، فإنّ علاقة الأبوة و البنوة- مثلا- و إن كانت أقرب، و لكن لا يوجد فيها حالة التكافؤ بين الطرفين في رؤيتها لهما، إذ أنّها تنظر إلى الأب أنّ له مقاما أرفع من الابن، و الابن له مقام أخفض من مقام الأب، بحسب النظرة إلى الطرفين من منظور إسلامي، و لذلك يكون للأب- أحيانا- ولاية على ولده، و أن الولد لا بد له أن يطيع أباه- أحيانا أخرى- بدرجات متفاوتة، يتناولها الفقهاء. و العلاقة بصورة إجمالية لا ينظر فيها التكافؤ بين الطرفين. و هكذا الحال في العلاقة الزوجية، فإنه بالرغم من أن العلاقة الزوجية فيها جانب من التكافؤ في الحقوق و الواجبات، و لكنّها لا تمثل الصلة التكوينية القريبة كما في الأخوة، و ليست قريبة كقرابة الأخ مع الأخ من ناحية، كما أريد لها أيضا في تنظيم و بناء الأسرة أن تكون بنحو يكون للرجل قيمومة على المرأة من ناحية أخرى، كما أشار القرآن الكريم إلى ذلك، و إن كانت هذه القيمومة قيمومة تنظيمية إدارية، و ليست قيمومة طبيعية، كما في القيمومة على‌ القاصر و السفيه، و لكن على أي حال لها هذا الوضع الخاص من التمايز في العلاقة الاجتماعية بين الزوجين، أما علاقة الأخوة فهي أقرب علاقة موجودة تكوينيا بين الجانبين، مع فرض حالة التكافؤ و التوازن و المساواة في العلاقة، و من هنا جعلت عنوانا للعلاقة بين المؤمنين.

جاء في کتاب علوم القرآن للسيد محمد باقر الحكيم: روى عبد الله بن مسعود أنه لما نزل قوله تعالى: “الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم مهتدون” (الانعام 82) شق ذلك على أصحاب رسول الله وقالوا: أينا لم يلبس ايمانه بظلم. فقال: انه ليس بذاك، انما هو الشرك، ألم تسمعوا قول لقمان: “ان الشرك لظلم عظيم” (لقمان 13). كما أن التأريخ يحدثنا أيضا أن علي ابن أبي طالب عليه السلام اتخذ مثل هذه الطريقة للتعرف على بعض المعاني القرآنية، فقد اخرج الحافظان ابن أبي حاتم، والبيهقي عن الدئلي: ان عمر بن الخطاب رفعت إليه امرأة ولدت لستة أشهر، فهم برجمها، فبلغ ذلك عليا، فقال: ليس عليها رجم. فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فأرسل إليه فسأله. فقال: قال تعالى: “والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين” (البقرة 233) وقال: “وحمله وفصاله ثلاثون شهرا” (الاحقاف 15) فستة أشهر حمله، وحولين رضاعه، فذلك ثلاثون شهرا، فخلى عنها. فقد فسر الإمام علي عليه السلام مدة الحمل بستة أشهر على أساس الآية الأخرى التي تحدد مدة الرضاع ب‌ (حولين كاملين).

جاء في علوم القرآن للسيد محمد باقر الحكيم: خلق القاعدة الثورية: إن عملية التغيير الاجتماعي الجذري تحتاج أيضا بطبيعة الحال إلى خلق القاعدة الثورية التي تمثل البعد الثالث للهدف، ولعل هذا هو المراد بما أشير إليه في عدة آيات من القرآن الكريم بالتزكية “ويزكيهم”. ولذلك سعى القرآن الكريم إلى خلق هذه القاعدة الثورية، وأعطى ذلك أهمية خاصة، واهتم بمعالجة القضايا الآنية والمستجدة التي يعيشها الرسول بشكل خاص، وتابع الاحداث التي كانت تواجه الرسالة، واتخذ المواقف تجاهها ليحقق هذا الهدف العظيم. ومن الواضح أن خلق هذه القاعدة وتكوينها في الوقت الذي يمثل مهمة صعبة وبالغة التعقيد، كذلك يمثل دورا ذا أهمية في مستقبل الرسالة وقدرتها على البقاء والاستمرار، إضافة إلى قدرتها على الشمول والانتشار. فإضافة إلى البعد الكيفي في عملية التغيير التي استهدفها القرآن، كان هناك بعد كمي في الهدف يتوخى بشكل خاص أن يقوم النبي ببناء القاعدة للرسالة بحيث يمكن لهذه الرسالة بعد ذلك أي بعد وفاة الرسول وانقطاع الوحي أن تستمر وتنتشر من خلال هذه القاعدة التي أولاها القرآن الكريم أهمية خاصة، وأعطاها قسطا كبيرا وحظا وافرا، كما نلاحظ ذلك في مجمل الآيات التي تناولت الاحداث ي عصر الرسالة وتفصيلاتها، وكذلك بعض التقاليد والعادات والقوانين، إضافة إلى عنصر اللغة وأساليبها في القرآن. فهناك توجه خاص في القرآن الكريم إلى سكان الجزيرة العربية: “أم القرى ومن حولها” (الانعام 92) من أجل أن يخلق منهم القاعدة الثورية للانطلاق بالرسالة. وهذا التوجه الخاص ليس على أساس وجود الامتياز لأبناء الجزيرة على غيرهم من البشر، وانما هو على أساس تحقيق الهدف الكمي المرحلي للرسالة الاسلامية، باعتبارهم مجال عمل النبي والجماعة التي بدأت الرسالة فيها: “وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون وبالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون” (الانعام 92). “وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير” (الشورى 7). “هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين” (الجمعة 2). وفي مجال آخر يؤكد القرآن استمرار مسيرة التغيير نحو الأصلح ووراثة عباد الله الصالحين للأرض: “كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز” (المجادلة 21). “إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد” (المؤمنون 51). “ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الأرض يرثها عبادي الصالحون” (الانبياء 105). ولكن هذه المسيرة التأريخية للانسان لا تتقيد أو ترتبط بجماعة معينة من الناس أو أحد من البشر: “يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم” (الشورى 7). “وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم” (الجمعة 2). ومن المحتمل جدا أن أحد خلفيات تأكيد مجموعة من القضايا والمفردات في القرآن الكريم هو قضية هذا التوجه الخاص لأبناء الجزيرة والاهتمام بهم، ويمكن أن نلاحظ ذلك في قضية تأكيد إبراهيم عليه السلام، وكذلك تأكيد الوحي ومعالجته بشكل خاص، وتأكيد رفض الأصنام، وكذلك قضية اللغة العربية والأسلوب في القرآن أهمية خاصة كما نشاهده في السور القصار، إلى غير ذلك من المفردات والقضايا.