نظام مير محمدي*
إن التسارع المتزايد في آلة القتل التي يديرها الولي الفقيه في إيران، لا يحمل أي معنى سوى انسداد كافة السبل أمام أي حلول في مواجهة مطالبات المجتمع الإيراني. إن النمو التصاعدي للإعدامات (من ۳۰۰ حالة في شهر أكتوبر إلى ۳44 حالة حتى ۲۰ ديسمبر) هو إعلان صريح عن وصول النظام إلى طريق مسدود حيال أي آفاق مستقبلية، سوى مواجهة انفجار الغضب الشعبي. إن كل إعدام يُنفذ ليس إلا قنبلة تُزرع تحت جلد المجتمع الإيراني؛ ومن ثم، فإن كل عملية إعدام هي خطوة يخطوها النظام نحو نهايته المحتومة.
في ۱۸ ديسمبر ۲۰۲5، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار الثاني والسبعين الذي يدين “الانتهاكات الجسيمة والواسعة والنظامية لحقوق الإنسان” من قبل الديكتاتورية الدينية الحاكم في إيران. ويعد التذكير بجريمة مجزرة صيف ۱۹۸۸ ووضع إعدامات الأيام الأخيرة في مصاف تلك الجريمة الكبرى، جزءاً محورياً من هذا القرار. ورغم أن القرار يؤكد على “التجاهل التام لأبسط مبادئ حقوق الإنسان”، إلا أن ما أدى إلى تكرار وانفلات سياسة الإعدام هو شعور الآمرين والمنفذين بـ “الحصانة القانونية” وعدم وجود عقوبات دولية رادعة.
نحن نكتب حقوق الإنسان بدمائنا!
إن كل قرار يصدر اليوم عن هيئات الأمم المتحدة بشأن انتهاك حقوق الإنسان في إيران، يعيد إلى الأذهان ذكرى الرائد الأول الذي أرسى دعائم التوعية الدولية بضرورة إدانة هذا النظام. لقد كان البروفيسور كاظم رجوي، منذ عام ۱۹۸5، أول من عرّف قصة صمود أجيال المدافعين عن حقوق الإنسان في إيران بعبارته الخالدة: “نحن نكتب حقوق الإنسان بدمائنا”. كان الدكتور كاظم رجوي هو من نقل لأول مرة قرارات إدانة انتهاكات حقوق الإنسان من لجنة حقوق الإنسان إلى اللجنة الثالثة ومنها إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة. ومنذ ذلك الحين، استندت كافة الجهود المستمرة عبر السنين إلى الكنز الحقوقي الذي دونه وأعده. وكما ذكر في مذكراته، فقد تعرض مراراً للتهديد بالقتل في أروقة الأمم المتحدة من قبل الدبلوماسيين الإرهابيين التابعين لنظام الملالي، وفي نهاية المطاف، كتب “حقوق الإنسان بدمه”. إن استمرار الإدانات الدولية اليوم لا يزال يستمد قوته من معاناة وعشق ودم البروفيسور كاظم رجوي.
إن العالم الذي يدين نظاماً 47 عاماً بسبعين قراراً بسبب انتهاكاته الممنهجة، يشهد على حقيقة وجود نضال عريق ومستمر يتوافق مع ميثاق الأمم المتحدة ضد المحتلين لأرض إيران. إن جذور هذا النضال تكمن في متن المجتمع وفي ضمير شعب دفع ثمن الصمود بدمائه وحريته وكرامته على مدار أربعة عقود. إن القرارات الدولية تكتسب معناها الحقيقي عندما تتجاوز مستوى “الإعراب عن القلق” لتتصل بآليات قانونية وجنائية ملزمة. إن استمرار سياسة الإعدام ليس نابعاً من القوة، بل هو نتاج رعب نظام فقد شرعيته ولم يبقَ في جعبته سوى العنف العاري وأعواد المشانق.
الحقيقة هي أن نظام الملالي، ومع كل حبل مشنقة، يجعل ملفه أثقل في الذاكرة التاريخية لإيران وفي الوثائق الدولية. لم يسبق لأي نظام في التاريخ أن نجا من الانهيار عبر تراكم الجرائم والقتل. إن ما يجري في إيران اليوم هو النهاية المحتومة لنظام لا يملك رداً على مطالب الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية سوى الإعدام.
لذا، فإن مسؤولية المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية لم تعد أخلاقية فحسب، بل هي مسؤولية حقوقية وتاريخية. إن الوقوف موقف المتفرج أمام هذه الجرائم المنظمة هو بمثابة غض الطرف عن استمرار القتل. وكما ساق محكمة التاريخ الآمرين والمنفذين للمجازر السابقة إلى العزلة والخزي، فبكل تأكيد لن يفلت مرتكبو إعدامات اليوم من هذا العقاب. فمهما زاد الولي الفقيه من سرعة آلة القتل، فإنه يقرب لحظة توقفها. إن المجتمع الإيراني سيغير معادلة العنف لصالح الحرية، وسيبني مستقبلاً إنسانياً بعيداً عن الديكتاتورية وعن أعواد المشانق.
*كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني