صلاح الزبيدي
ليس تفجيرًا عابرًا، ولا حادثًا أمنيًا معزولًا، ولا حتى فعلًا إرهابيًا تقليديًا يمكن وضعه في خانة “الخرق الأمني”.
ما جرى في جامع الإمام علي (عليه السلام) في سورية – التفجير الانتحاري المزدوج، والعبوات الناسفة المزروعة بعناية – هو حدث سياسي بامتياز، كُتب بدماء عشرات الشهداء والجرحى، وحُمّل برسائل أثقل من ركام المسجد نفسه.
نحن أمام أول تفجير من هذا النوع منذ أكثر من عقد ونصف، والأخطر أنه الأول الذي يستهدف مكوّنًا وطائفة بعينها بعد سقوط نظام بشار الأسد. وهذا وحده كافٍ ليدق ناقوس الخطر، لا في دمشق فقط، بل في بغداد قبل غيرها.
تبنّي جماعة تطلق على نفسها اسم “أنصار السنة السورية” ليس تفصيلًا ثانويًا، بل رسالة مقصودة. توقيت الإعلان جاء متزامنًا مع إلقاء القبض على أمير تنظيم داعش في سورية، وكأن هناك من أراد أن يقول:
نعم، سقط أمير، لكن “المصنع” لم يُغلق بعد، واليد التي تشعل الفتنة ما زالت قادرة على الضغط على الزناد.
هنا، لا يمكن القفز فوق الحقيقة الأوضح:
عودة المخابرات الخليجية كلاعب رئيسي في الساحة السورية.
عودة ليست ارتجالية، بل محسوبة، جاءت بعد عملية الكوماندوز العراقية، وبعد التفاهمات الأمنية السورية–العراقية في ملفات الإرهاب.
حين يضيق الخناق على التنظيمات، تُفتح خزائن المال، وتُعاد تدوير الجماعات بأسماء جديدة، وخطاب قديم، وهدف واحد: إعادة خلط الأوراق.
أما الجولاني – الشرع، فيقف اليوم عند مفترق فاضح.
يكيل بمكيالين، ولا يحتاج ذلك إلى كثير من الشرح.
مكيال رجل الدولة الذي يدّعي حماية جميع أبنائها،
ومكيال العصابات التي رضع معها من نفس ثدي المخابرات الإقليمية، وتربّى معها في الظل، ويعرف جيدًا كيف تفكّر وتتحرّك.
الخطير في المشهد أن هذا التحول السوري يأتي بالتزامن مع اختناق التأليف والتكليف السياسي في العراق.
والتاريخ، لمن يقرأه، لا يعيد نفسه صدفة.
حين يختنق الداخل، تُستدعى الفوضى من الخارج.
ما جرى اليوم في سورية ليس شأنًا سوريًا خالصًا.
إنه تحذير مباشر للعراق.
وقد سبق أن أُرسلت معلومات موثقة إلى الجهات العراقية المختصة عن دخول عصابات وجماعات متطرفة سورية وأجنبية خلال الأسابيع الماضية إلى العراق، وتحديدًا إلى المنطقة الغربية، مرفقة بالأدلة، لا بالتحليل ولا بالتخمين.
الدم الذي سُفك في جامع الإمام علي (عليه السلام) ليس دمًا سوريًا فقط،
بل رسالة مكتوبة بالحقد الطائفي، وموقّعة بأسماء أجهزة تعرف جيدًا ماذا تريد، ومتى تضرب، وأين.
والسؤال اليوم ليس: من نفّذ؟
بل: من سمح بعودة هذا النمط؟ ومن يهيّئ الأرض له؟
ومن، في بغداد، يقرأ المشهد كما هو… لا كما يُراد له أن يبدو.