التوافق السياسي… قراءة في معضلة ما بعد الانتخابات
كتب رياض الفرطوسي
تُواجه العملية السياسية في العراق، بعد كل انتخابات برلمانية، معضلة شبه ثابتة تتعلق بآلية اختيار رئيس مجلس الوزراء. وهي معضلة لا تنبع من فراغ، بل من طبيعة النظام السياسي القائم على التوازنات، حيث لا يُحسم المنصب التنفيذي الأهم عبر صناديق الاقتراع بشكل مباشر، وإنما من خلال الكتلة البرلمانية الأكبر عدداً، وفق ما يتيحه الإطار الدستوري القائم.
في هذا السياق، تتحول الانتخابات من محطة للحسم إلى نقطة انطلاق لمسار تفاوضي طويل، تُعاد فيه قراءة النتائج أكثر من مرة، لا من زاوية عدد الأصوات فقط، بل من زاوية قابلية هذه الأرقام على التحول إلى تحالفات قادرة على إنتاج حكومة. ومن هنا، يصبح التأخير في تشكيل الحكومة ظاهرة متكررة، لا استثناءً طارئاً.
اللافت أن المشهد السياسي العراقي اعتاد هذا النمط من ما بعد الانتخابات؛ حيث تتداخل الحسابات العددية مع اعتبارات التوافق السياسي، فتبرز كتل حصلت على تقدم نسبي في عدد المقاعد، مقابل كتل أخرى تمتلك قدرة أكبر على تجميع أطراف متعددة ضمن إطار واحد. وبهذا المعنى، لا تكون “الكتلة الأكبر” دائماً انعكاساً مباشراً لنتائج الصناديق، بل نتاجاً لمسار تفاوضي قد يستغرق أسابيع أو أشهر.
هذا الواقع يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول طبيعة النظام السياسي نفسه: هل هو نظام يُنتج قيادة تنفيذية بسرعة وكفاءة، أم نظام صُمم لتفادي الصدام عبر توزيع النفوذ؟
الإجابة، على الأرجح، تكمن في الجمع بين الأمرين؛ إذ يسعى النظام إلى منع الاحتكار السياسي من جهة، لكنه في المقابل يُبطئ عملية اتخاذ القرار من جهة أخرى.
وتزداد تعقيدات المشهد عندما نضع في الحسبان أن التوافق المطلوب لا يقتصر على الداخل البرلماني فحسب، بل يمتد إلى شبكة أوسع من العلاقات السياسية الإقليمية والدولية. فاختيار رئيس الحكومة لا يتم بمعزل عن هذه البيئة، بل يتأثر بها بشكل أو بآخر، سواء من خلال الدعم، أو التحفظ، أو انتظار إشارات القبول العام.
وفي ظل هذا التشابك، تبقى بقية القوى السياسية في حالة ترقّب، بانتظار ما ستؤول إليه التفاهمات داخل الكتلة الأوسع، قبل أن تُستكمل بقية الاستحقاقات المرتبطة بتشكيل الحكومة. وهو ما يجعل العملية السياسية تبدو، في كثير من الأحيان، وكأنها تسير على مراحل غير متزامنة، تبدأ من المركز ثم تمتد إلى الأطراف.
من هنا، لا يمكن النظر إلى التوافق السياسي بوصفه أزمة بحد ذاته، بقدر ما هو آلية إدارة واقع متنوع ومعقّد. غير أن الإشكالية تكمن في تحوّل هذه الآلية إلى مسار مفتوح زمنياً، بلا سقوف واضحة، ما يُبقي المشهد السياسي معلّقاً بين نتائج معروفة وحسم مؤجَّل.
ويبقى السؤال المطروح بعد كل انتخابات: هل تنجح القوى السياسية في تحويل هذا التوافق إلى أداة تسريع للحسم، أم سيظل إطاراً لإدارة الوقت بانتظار نضوج الشروط؟
سؤال يتكرر، ليس لأن الإجابة غائبة، بل لأن التجربة العراقية ما زالت تختبر حدود هذا النموذج، بين الاستقرار من جهة، والحسم من جهة أخرى.