ميناء المكلا كشف الوجه المظلم لإمبراطورية “العيال كبرت” ومستقبل سردية “الأخ الأكبر” لمجلس التعاون الخليجي؟

صباح البغدادي

توطئة :

في البداية لا بد أن تعي جيدآ بعض دول الخليج العربي بان غرورُها وبما تمتلكه من القوة الاقتصادية والهيمنة المالية , وما لم تصاحبها بالثقل السكاني ! غالبًا ما يدفع الدول إلى سوء التقدير، ويقودها إلى قراراتٍ استراتيجية تنتهي بتقويض نفوذها بدل تعزيزه. وإن تضخّم الإحساس بالثقل الاقتصادي والمالي يولّد وهم زائف للحصانة ، ما يضعف الانضباط في السياسات ويزيد من احتمالات الانكشاف والأزمات الهيكلية على المدى المتوسط والبعيد ولا يرى الهاوية السحقية إلا بعد فوات الأوان.

انشغلت خلال الساعات الماضية وما تزال بخطى محمومة , جميع الصحف المحلية لدول الخليج العربي , ووصلت صداها بسرعة البرق للصحافة العربية والعالمية ومن على صدر صفحاتها الأولى عن الحديث والتحليل والحوار لتغطية تبعات الأزمة وخطورتها على الوضع الإقليمي , التي أشعلها وصول شحنة أسلحة ومركبات ومعدات عسكرية ثقيلة إلى اليمن وتحت جنح الظلام , بعد تعطيل متعمد مع سبق الإصرار لأجهزة التتبع العالمية من قبل قبطاني السفينتين , هذه الأسلحة وصلت بدون تنسيق مسبق مع تحالف دعم الشرعية الذي تقوده “الرياض” ، وشكّلت رسالة الغارة الجوية السعودية , بأنها لن تسمح بالمساس بقيادتها الإقليمية للمنطقة , حتى يقرأ منه بأنه رد غير مباشر لكل من إسرائيل وأمريكا في حالة أن تم التغريد خارج نطاق السرب وتعرض المصالح الاقتصادية والسياسية فيما بينها , ليس للخطر , وإنما لإعادة النظر والذهاب بكل الثقل الاقتصادي السعودي إلى دول الاتحاد الأوروبي والصين ودول اقتصاد النمور الأسيوية , هذا الحدث يعتبر نقطة تحول حاسمة في العلاقات الخليجية وإعادة صياغتها إذا تطلب الأمر , لكي يعرف الجميع حجمه الحقيقي أمام محاولة اللعب مع “الأخ الأكبر” لتكشف معها هذه الحادثة عن عمق الخلاف الاستراتيجي بين الرياض وأبوظبي، والذي تجاوز مرحلة التنافس التقليدي إلى صدام مباشر ليس فقط على الهيمنة في اليمن ولكن على من له الحق أن يمثل دور “الأخ الأكبر” في المنطقة . وفي هذا السياق وبدورنا سوف نشذ عن سردية “القاعدة الكلاسيكية” الإعلامية في تغطية مثل تلك الأحداث وما تتناوله مختلف وسائل الإعلام حول هذا الحادث الآن , وسوف نركز وخلافا لما يجري من قبل وسائل الإعلام وتركيزهم على النفوذ والهيمنة السياسية والاقتصادية ولكن في المقابل سنتعرف على أن الهيمنة التي تريد أن تصل إليها ” أبو ظبي ” لن تكون إلا عبر جلب أدوات عسكرية وجيوش مرتزقة مستوردة من دول جنوب شرق آسيا وأمريكا الجنوبية ودول الاتحاد السوفيتي السابق للقتال بالنيابة عنها كما يحدث في السودان حاليا . يكشف لنا وما صدر عن هذه الأزمة من تبعات , عن ضعف جوهري في البنية الاجتماعية الإماراتية، حيث يبلغ عدد سكان الإمارات حوالي 1.25 مليون نسمة، ثلثهم من كبار السن والثلث الآخر من النساء، مما يترك جزءاً صغيراً من السكان القادر على المشاركة في المعارك , ولا يخفى على أحد اليوم , تعيش الإمارات في حالة غير مسيطر عليها من “ترف اجتماعي واقتصادي ومالي” غير مسبوق وبالتالي ينعكس هذا الترف على البنية الاجتماعي وبالأخص بين الشباب والقادرين على حمل السلاح والقتال في ظروف صعبة جدآ ومنع مواطنيها من الخضوع المباشر للقتال، وعلى الاعتماد على جيوش من المرتزقة , وفي المقابل، تمتلك السعودية ثقلاً سكانياً واجتماعياً أوسع، وتتمتع بقبول دولي كقائد إقليمي . فبينما تعامل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبقية دول العالم مع السعودية على أنها بمثابة “الأخ الأكبر” في المنطقة وحتى وإن لم تصرح بها علانية ولكن الأفعال  على أرض الواقع من معظم الدول الغربية المؤثرة في السياسة الدولية وعلى راسها أمريكا تعترف للرياض بهذا الدور وحتى تعطيه الشرعية السياسية للعب هذا الدور والتي لغاية الآن أجدته الرياض وعلى وفق المصالح المشتركة  فيما بينهما , ولذا فإن أي تحرك خارج إطار هذا القبول يواجه ردود فعل سلبية.  ولذا فان محاولة الإمارات فرض نفسها كبديل للدور السعودي قد واجهت تحديات كبيرة، خاصة أن الدعم الأمريكي والإسرائيلي الذي كانت تعتمد عليه لم يكن كافياً لكسر الهيمنة التقليدية للرياض، وبالأخص في ملفات أمنية واستراتيجية حساسة مثل اليمن. الدور الأمريكي اليوم ليس متفرج ولكن اتضح انه وضع الجميع في موقعه الحقيقي ومن خلال وزير الخارجية الأميركي “ماركو روبيو” وفي اتصالين منفصلين مع نظيريه السعودي والإماراتي، لبحث أزمة التطورات الأخيرة في اليمن، وتحجيمها وإجهاضها في مهدها وأن لا تكون لها تبعات وردود تخرج عن نطاق السيطرة , لان هناك مواجهة مرتقبة بين إيران من جهة وإسرائيل وأمريكا من جهة اخرى ولكي لا يتم تشتيت الانتباه الأمريكي على اكثر من جبهة يصعب معها وبمرور الوقت احتوائها ولذا كان الاتصال بمثابة “الحسم” النهائي في هذا الموضوع , هذا ما يفهم حقيقية من اتصال وزير الخارجية الأمريكية , أما ما ذكرته الصحافة حول ما جرى في هذا الاتصال فيكون في خانة المجاملة العلنية الإعلامية , ولكن الحقيقية إن أيران تتحين الفرصة لأي تطور في اليمن يتقاتل فيه الأخوة فيما بينهما وتزيد من وجع الخلافات هذه ودعم الحوثيين بصورة اكثر فيما الأخوة الأعداء يتقاتلون فيما بينهم ؟. ولذا تُمثل اليوم أزمة “ميناء المكلا” نقطة تحول في العلاقات الخليجية، حيث تكشف عن فشل محاولات الإمارات فرض نفسها كبديل للدور السعودي، وتؤكد على أن الهيمنة الخليجية لا يمكن إعادة تشكيلها بالمال والدعم الخارجي فقط، بل تتطلب أيضاً القوة العسكرية المباشرة والقبول الاجتماعي والدولي.وفيما تحاول الرياض إعادة ترتيب الأوضاع في اليمن وتحجيم الدور الحوثي المسنود من إيران، تواجه الإمارات مصيرها كقوة إقليمية ثانوية، بعد أن تجاوزت جميع الخطوط الحمراء بما في ذلك ضربة مبادئ وأسس التي قام عليها “مجلس التعاون الخليج”  إلا أن مسار التدخل كشف عن تمايز واضح في الأهداف بين الطرفين.والأهداف الإماراتية الرئيسية أو التي روج لها من خلال الإعلام السياسي الموجه هي كالاتي : تأمين الممرات البحرية الاستراتيجية، خصوصًا باب المندب وإضعاف التيارات المرتبطة بالإسلام السياسي ووصمها بالإرهاب وكذلك من خلال بناء نفوذ استيطاني مستدام في جنوب اليمن ويأتي ذلك من خلال الأدوات التي توفرها البنية المالية الهائلة التي تمتلكها ” أبو ظبي ” ومن خلال ودعم قوات محلية مسلحة بالمال والسلاح والمعدات مع إنشاء شبكات أمنية جنوبية ودعم كيانات سياسية محلية ذات طابع انفصالي هذه النتائج وهذا النهج المتبع ومن خلال محاولة تعزيز النفوذ الإماراتي جنوبًا وإضعاف سلطة الدولة المركزية وما يصاحبه من تعقيد مسار التسوية السياسية , وهذا ينعكس في حالة السودان وما يجري من صراع بين الجيش ومليشيات الدعم السريع وتقوية النفوذ في سياق الدولة المنهارة حيث يحظى السودان بأهمية استراتيجية خاصة بسبب موقعه الجغرافي المتميز على البحر الأحمر وموارده الزراعية والمعادن الوفيرة الذي يحتويه وبالأخص الذهب ودوره في معادلات الأمن الإقليمي والسياسة الإماراتية تجاه السودان والتي اتسمت بطابعها ومن خلال دعم قوى عسكرية على حساب الفاعلين المدنيين أولوية الاستقرار الأمني على التحول الديمقراطي المنشود وعلى حسابه ومن خلال مقاربة واقعية قائمة على إدارة الفوضى ومما يؤدي إلى تعزيز نفوذ قصير الأمد ومحاولة محمومة للإضعاف فرص بناء دولة مدنية مستقرة والمساهمة غير المباشرة في إطالة أمد الصراع القائم ومن خلال تزويد المليشيات الدعم السريع بالمال والسلاح وجلب المرتزقة وتكشف هذه المقارنة ومفارقتها بأن الإمارات تبنّت نموذجًا مختلفًا عن الحلفاء والخصوم على حد سواء، يقوم على إدارة الصراع بدل حله، وتحقيق النفوذ دون تحمّل أعباء بناء الدولة. هذا النموذج فعّال تكتيكيًا على المستقبل المنظور ولكنه يحمل مخاطر استراتيجية تتعلق باستدامة عدم الاستقرار في اليمن والسودان ويعكس تحوّلًا في سلوك القوى الخليجية من الدفاع إلى المبادرة، ومن التحالفات التقليدية إلى شبكات النفوذ المرنة. غير أن غياب الاستثمار الحقيقي في الحلول السياسية الشاملة قد يحدّ من جدوى هذا الدور على المدى الطويل. الإمارات تعتقد انها اليوم هي “شرطي الخليج” ولكنها نسيت أنها تفتقر وبشدة إلى الثقل السكاني ومواطنيها لا يتجاوز عددهم المليون وربع نسمة وهم غير مؤهلين لخوض الحروب المباشرة مع قوى إقليمية أو خليجية اكثر منهم في عدد السكان ولولا العلاقات دبلوماسية مع إسرائيل لكانت اليوم الإمارات يحكمها الهنود ومن خلال تأجيج مبدأ حقوق الإنسان والمطالبة بالمشاركة بالحياة السياسية ومن خلال وجود انتخابات شرعية وحق تقرير المصير ولكن إسرائيل وأمريكا تقف ضد هذا التوجه ما دامت أبو ظبي تنفذ ما يطلب منها لتفكيك التجمع العربي الخليجي لمصالحها الشخصية والخارجية هذه الحقيقية الغائبة التي يحاول البعض التغاضي عنها ولكنها قد تنكشف بسرعة في حالة تماديها وخروجها عن المسار الذي حدد لها وما قصف السعودية قبل ساعات لشحنات السلاح إلا البوادر الأولية لعودة هذا الشبح والأيام القادمة حبلى بالمفاجئات أذا لم تختار العقل والمنطق والعدوة لحجمها الحقيقي ! 

واخيرآ وليس اخرآ وبعدما أعلنت أبوظبي يوم أمس الثلاثاء أنها قررت “بمحض إرادتها” سحب قواتها المتبقية من اليمن وإنهاء مشاركتها في مهمة “مكافحة الإرهاب”. هذا الانسحاب إذا اردنا أن نعيد قراءته بشيء من التمعن نجد انه يحتوي بين طيات عباراته وجمله وخفاياه مخاوف من تبعاته المحتملة وخاصة فيما يتعلق بتوجيه المزيد من الدعم إلى ميلشييات “الدعم السريع” في السودان. وفي وقت تسعى فيه السعودية إلى إنهاء الحرب الأهلية في السودان، ولذا نعتقد بان أن ” أبوظبي ” سترد صفعة الرياض لها في اليمن لتكون في السودان ستستخدم نفوذها السياسي والعسكري بشكل أكبر  رافعة مستوى دعمها لهذه الميلشييات وكما أن الانسحاب قد يُنظر على أنه رسالة ضمنية من أبوظبي إلى الرياض بنوع من المصالحة السياسية ولكنه في الحقيقة يقرا عنه بأنها تعكس رغبته في الرد على ما تعتبره تهميشًا لها في سياق الصراع اليمني، مما يوضح رغبتها في تأكيد استقلالية سياستها الخارجية وعدم قبول الهيمنة الإقليمية للرياض وممارسة دور “الأخ الأكبر” لذا فان السودان تبقى ساحتها المفتوحة التي سوف تشغل الرياض بدعم مفرط من قبلها لمليشيات الدعم السريع بالسلاح والمال والمرتزقة لرد الصفعة إلا إذا اختارت الرياض بنقل المواجهة العسكرية مباشرة إلى السودان ومن خلال قصف طيرانها الحربي تجمعات ومعسكرات مليشيات الدعم السريع وفي حينها ستكون الحرب خليجية خليجية ولكن بأدوات خارجية ومع قبول واعتراف إسرائيل بأرض الصومال والذي سيكون منفذ أنفاذ لابو ظبي لغرض اللعب عليه وأشغال الرياض تبعاته , يبدو لنا بأن بوادر تفكيك مجلس التعاون الخليجي أصبحت على الأبواب إذا لم يتم انقاذه من خلال العقل والمنطق والجلوس لطاولة الحوار الأخوية بين دول الخليج العربي وإلا فأن النتيجة ستكون كارثية حتمآ لمستقبل المنطقة ككل لان هناك من يتربص بتفكيك هذا التجمع الخليجي ؟.

sabahalbaghdadi@gmail.com