صباح البغدادي
يبدو الحديث عن تدخل عسكري أميركي أو إسرائيلي في إيران، في ظل الاحتجاجات الاقتصادية الأخيرة، ضربًا من الجنون والسذاجة السياسية وقصر النظر الاستراتيجي. فالتلويح باستخدام القوة العسكرية ، ومهما كانت نواياه المعلنة إنسانية أو حتى أخلاقية، لا يؤدي بالضرورة إلى إنقاذ الشعوب، بل كثيرًا ما يمنح الأنظمة المأزومة فرصة ذهبية لا تعوض ومن خلالها تستطيع بسهولة لإعادة إنتاج شرعيتها عبر استدعاء “الخطر الخارجي” وسرعة إعادة صياغة الشعارات الثورية لتلائم نهج المواجهة والغزو الخارجي .
تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي توعد فيها بالتدخل العسكري في حال قيام السلطات الإيرانية بإطلاق النار على المتظاهرين السلميين، تكشف عن فهم سطحي لتعقيدات الداخل الإيراني. فإيران اليوم تعيش أزمة اقتصادية خانقة، سببها تداخل العقوبات الأميركية مع سوء الإدارة والفساد المستشري في مؤسسات الدولة، وهو أمر أقرّ به صراحة الرئيس “بزشكيان” نفسه، في فعالية بثّها التلفزيون الرسمي واعتراف غير معهود داخل الخطاب الرسمي. حيث ذكر صراحة :” إنه لا ينبغي تحميل استياء المواطنين لجهات خارجية كالولايات المتحدة، مؤكدا أن الخلل يعود إلى سوء الإدارة الداخلية. والمطالب المشروعة للمتظاهرين، وحثّ الحكومة على اتخاذ إجراءات لتحسين الوضع الاقتصادي “من منظور إسلامي، إذا لم نحلّ مسألة معيشة الناس فسننتهي إلى الجحيم”. ومثل هذا الإقرار الصريح والعلني يعني، عمليًا، أن العقوبات الخارجية وفساد وسوء الإدارة الداخلية وجهان لعملة واحدة، يدفع ثمنها المواطن الإيراني. ومع ذلك، فإن إدخال عامل التدخل العسكري الخارجي في هذه اللحظة الحساسة قد يؤدي إلى نتيجة عكسية تمامًا لما يروج له أنصاره.
فالمجتمع الإيراني، رغم تنوعه واختلاف توجهاته، يتميز بنزعة قومية واضحة، غالبًا ما تتقدم على الخلافات السياسية والدينية عند الشعور بالتهديد الخارجي. وعليه، فإن أي تدخل عسكري أميركي أو إسرائيلي قد يحوّل الاحتجاجات المطلبية ضد الغلاء وتدهور العملة إلى موجة تعبئة وطنية دفاعًا عن “السيادة”، ما يمنح النظام الثيوقراطي فرصة للهروب من أزمته الداخلية وتوجيه الغضب الشعبي نحو الخارج.
التجربة الإيرانية، كما تجارب المنطقة، تثبت أن الضغط الخارجي المباشر لا يُسقط الأنظمة بقدر ما يُعيد ترتيب أوراقها. وما تشهده إيران منذ خمسة أيام من احتجاجات بدأت من “البازار” وامتدت إلى الجامعات، على خلفية انهيار العملة وغلاء المعيشة، ما يزال حراكًا اقتصاديًا محدود السقف مقارنة بانتفاضة عام 2022 التي أعقبت وفاة مهسا أميني، والتي حملت أبعادًا اجتماعية وسياسية أعمق.
أما الوعود الحكومية بتحسين الوضع المعيشي، فهي تصطدم بواقع معقد من العقوبات الأميركية، والضغوط الدولية، والإصرار الإيراني على المضي في البرنامج النووي، فضلًا عن استمرار دعم الفصائل المسلحة في لبنان واليمن والعراق. وحتى التحويلات المالية، مثل الملياري دولار التي أرسلتها الحكومة العراقية – وهي حكومة تصريف أعمال – لم تكن كافية لإنقاذ الاقتصاد الإيراني من اختناقه المتزايد.
إن الحل، إن وُجد، لا يكمن في القصف ولا في التهديد العسكري، بل في مسار سياسي ودبلوماسي طويل، يعالج جذور الأزمة: إصلاح داخلي حقيقي، ومراجعة للسياسات الإقليمية، وتفاهمات دولية متوازنة. أما استعجال التدخل العسكري، فلن يكون سوى شرارة حرب جديدة في منطقة أنهكتها الصراعات، وقد تكون طوق نجاة للنظام الذي يُراد إسقاطه.
لهذا، فإن الحكمة السياسية تقتضي الترقب لا التهور، والفهم العميق للمجتمع الإيراني لا مخاطبته بلغة الصواريخ، لأن التاريخ القريب يعلّمنا أن الشعوب قد تثور على حكوماتها، لكنها نادرًا ما تصفق لمن يقصفها.
على وقع تطورات الساعات الأخيرة، وفي ذروة الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها طهران على خلفية الانهيار الحاد للعملة الإيرانية، بعدما تخطّى سعر الدولار عتبة 1.4 مليون ريال (140 ألف تومان)، برز تحرك عراقي مثير للجدل بدا أقرب إلى محاولة إسعاف سياسي طارئ منه إلى إجراء مالي محسوب. إذ سارع البنك المركزي العراقي، وبأوامر مباشرة من رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، إلى تحويل وإيداع ملياري دولار في البنك المركزي الإيراني، في خطوة بدت وكأنها رهان يائس لامتصاص غضب الشارع الإيراني ولو مؤقتًا.
وجاء هذا التحرك متزامنًا مع تصريح غامض لمسؤول في منظمة التخطيط والميزانية الإيرانية مساء الاثنين الماضي، تحدث فيه عن “دخول مليارات الدولارات إلى البلاد” دون الكشف عن مصدرها أو آلية تحويلها، قبل أن تتضح الصورة لاحقًا على نحو أكثر إحراجًا لبغداد. فقد كشف السفير الإيراني في بغداد، في مقابلة خاصة، أن السوداني هو رئيس الوزراء الوحيد الذي بادر فعليًا بتحويل أموال عراقية إلى إيران، في اعتراف علني يرقى إلى فضح سياسي كامل، ويمنح – عمليًا – صك براءة مرور نحو ولاية ثانية، طالما أن القرار النقدي العراقي يُدار وكأنه تابع لطهران لا لدولة اسمها العراق.
الأخطر من ذلك أن هذه السياسات النقدية المرتجلة وغير المدروسة تضع العراق أمام مخاطر حقيقية، لا تقتصر على تهديد دفع رواتب الموظفين فحسب، بل تمتد إلى الفئات الأضعف، وفي مقدمتها المتقاعدون، الذين يقفون أصلًا على حافة الانهيار المعيشي. كما أن خطورة هذه الخطوة تتضاعف كونها صادرة عن حكومة تصريف أعمال، ما يجعلها فاقدة للسند القانوني والأصولي، ويحوّل القرارات السيادية إلى تصرفات استثنائية لا يُحتكم فيها إلى القوانين أو التشريعات.
وفي مشهد يعكس اختلال الأولويات، يبدو العراق مستعدًا للإسراع في إنقاذ جارته إيران كلما واجهت أزمة، حتى لو كان الثمن يُدفع من جيوب مواطنيه، الذين يعانون هم أيضًا من الفقر والبطالة والضيق الاقتصادي، في صورة لا تختلف كثيرًا عمّا يعيشه الشارع الإيراني ذاته.
لا تكمن الخطورة اليوم في اندفاع واشنطن المتسرّع نحو الخيار العسكري فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى احتمال تدخل إسرائيلي مباشر في هذا التوقيت بالغ الحساسية، وهو سيناريو ستكون عواقبه أكثر فداحة، وقد يتحول عمليًا إلى طوق نجاة للنظام الإيراني بدل أن يكون عامل ضغط عليه. فالتدخل العسكري الخارجي، ولا سيما إذا جاء من إسرائيل، لن يؤدي إلا إلى إعادة خلط الأوراق داخليًا، وصرف الأنظار عن جوهر الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي فجّرت الشارع الإيراني.
وتتجه الأنظار بقلق متزايد إلى ردود الفعل الإسرائيلية، التي يوصف كثير منها بالتهور وغياب الحسابات الاستراتيجية، وسط مؤشرات على استعداد تل أبيب لجولة تصعيد ثانية مع إيران. ويجري رصد دقيق لما يصدر عن المسؤولين الإسرائيليين بالتزامن مع تفجر الاحتجاجات الشعبية في إيران، ولا سيما تلك التي انطلقت من البازار وواجهتها السلطات بالقوة، كما حدث في شارع “ملت” وسط طهران.
وفي هذا السياق، كتب أميخاي تشيكلي، وزير شؤون يهود الشتات في إسرائيل، تعليقًا على الاحتجاجات عبر منصة «إكس» قال فيه: «خامنئي، لقد انتهى نظامك»، مضيفًا مخاطبًا الإيرانيين: «يا شعب إيران الشجاع، اغتنموا هذه الفرصة؛ نحن نقف إلى جانبكم». ورغم أن هذه التصريحات قد تُسوَّق على أنها دعم معنوي، إلا أن صدورها من مسؤول إسرائيلي رفيع يمنحها دلالة سياسية ثقيلة، قد تُستخدم من قبل طهران كدليل جاهز على “التآمر الخارجي”.
إن قراءة متأنية لمثل هذه التصريحات تكشف أن الدعم المعنوي الهادئ هو الحد الأقصى المقبول والمجدي في هذه المرحلة، أما الضربات العسكرية أو التهديد بها فلن تفضي إلا إلى نتائج عكسية، إذ تمنح السلطات الإيرانية الذريعة الكاملة لقمع الاحتجاجات بالحديد والنار، تحت شعار أن المتظاهرين ليسوا أبناء الوطن، بل “طابورًا خامسًا” تحركه قوى أجنبية من الخارج. وهكذا، بدل أن يُحاصر النظام بأزماته الداخلية، يُعاد تأهيله عبر فزاعة العدو الخارجي، في تكرار مملّ لسيناريوهات أثبت التاريخ فشلها.