الانتفاضة في إيران: حين تتهاوى هيمنة “الاستبداد الديني”

نظام مير محمدي*

في سياق التأريخ للتحولات السياسية المعاصرة في إيران، تتجاوز الفترة الممتدة من 28 إلى 30 كانون الأول (ديسمبر) كونها مجرد توالٍ زمني في التقويم؛ إنها تمثل “انزياحاً في النموذج المعرفي لموازين القوى والجدلية القائمة بين المجتمع والسلطة. ما شهده هذا الحيز الزمني المكثف والمتسارع لم يكن شغباً معيشياً أعمى، بل تجلياً ملموساً لـ “إرادة وطنية” عازمة على العبور التام لهيكلية “ولاية الفقيه” واستعادة السيادة الوطنية المسلوبة. تشكل هذه المحطة التاريخية إعلاناً بوفاة أوهام “إصلاح النظام” من الداخل، وتدشيناً لفصل جديد من التنظيم الاجتماعي تحت قيادة “وحدات المقاومة”.

التشريح البنيوي للعصيان: من رغيف الخبز إلى صرخة الحرية
على الرغم من أن الشرارة الأولى للاحتجاجات اندلعت في مدينة مشهد بدوافع اقتصادية، احتجاجاً على التضخم المنفلت والفساد الممنهج، إلا أن ماهية هذا الحراك اكتست سريعاً طابعاً سياسياً خالصاً. يكشف التحليل البنيوي لهذا الحدث أن المجتمع الإيراني قد بلغ مرحلة “الانفجار المجتمعي”، حيث يصطدم أي مطلب فئوي أو معيشي فوراً بـ “النواة الصلبة للسلطة”. في تلك الأيام الثلاثة، شهدت عشرات المدن الإيرانية مشاهد لم تكن حتى تلك اللحظة تدخل ضمن حسابات الأجهزة الأمنية للنظام.
إن تردد أصداء شعارات “الموت للديكتاتور” و”الموت لخامنئي” في الساحات الرئيسية للمدن كان مؤشراً صارخاً على انهيار “جدار الخوف”. كما أن شعارات من قبيل “يا سيد علي استحِ، واترك الدولة” أظهرت بوضوح أن رأس حربة الهجوم الاجتماعي باتت مصوبة نحو شخص المرشد الأعلى وتمامية موقع ولاية الفقيه. هذا التحول الجذري في الشعارات، من المطالب الرفاهية إلى المطالب البنيوية، يعكس نضجاً سياسياً لدى الجماهير التي أدركت أن جذر بؤسها وانحطاط أوضاعها يكمن في الاستبداد الديني ذاته.

دور المقاومة المنظمة: الهندسة الميدانية للاحتجاج
لعل إحدى السمات الأبرز لانتفاضة الأيام الثلاثة هي الانتقال من “التمرد العشوائي” إلى “الانتفاضة المنظمة”. وهنا يبرز دور المقاومة الإيرانية و”وحدات المقاومة” كمحفز وموجه للعمليات الميدانية. وخلافاً للتحليلات السطحية التي حاولت تصوير هذا الحراك بأنه “بلا رأس”، فإن الاستمرارية والتوسع الجغرافي السريع للاحتجاجات كانا نتاجاً لعقود من الصمود وبناء الشبكات التنظيمية.
لقد نجحت المقاومة الإيرانية، عبر النداءات الموقوتة وطرح استراتيجية “وحدات المقاومة”، في تحويل الغضب الاجتماعي المتناثر إلى قوة دفع مركزة. تجلى هذا التنظيم في التناغم بين “الإضرابات العامة في الأسواق” و”المظاهرات في الشوارع”. تلك الإضرابات التي استهدفت الشرايين الاقتصادية للنظام، خلقت ترابطاً عضوياً بين الطبقة المتوسطة الحضرية والكادحين؛ وهو ترابط يمثل ثمرة التوعية المستمرة التي تمارسها القوى الطليعية للمقاومة في الداخل.
نزع الشرعية ورعب السلطة
إن رد الفعل الهستيري للأجهزة الأمنية، والدفع بحشود القوات القمعية والوحدات الخاصة إلى الشوارع، هما دليل دامغ على عمق الرعب الذي خيّم على “بيت المرشد”. النظام الذي طالما سعى لتصدير صورة الاستقرار، وجد نفسه أمام موجة أجبرته على “أمننة” الفضاء الحضري بالكامل، وإطلاق الرصاص الحي، والإفراط في استخدام الغاز المسيل للدموع لتفريق التجمعات. هذا المستوى من العنف العاري لم ينسف الشرعية الداخلية فحسب، بل تحدى أيضاً ما تبقى من رصيد النظام الدولي. ومع ذلك، فإن الشعار الاستراتيجي “عدونا هنا، وكذبوا حين قالوا أمريكا”، كشف عن طبقات أعمق من الوعي الوطني، مسدداً ضربة قاصمة لآلة البروباغندا التي دأب النظام على استخدامها طيلة أربعين عاماً لاختلاق عدو خارجي.

الاستنتاج الاستراتيجي
أثبتت وقائع 28 إلى 30 كانون الأول (ديسمبر) أن المجتمع الإيراني قد دخل “الحالة الثورية”؛ وهي الحالة التي لم تعد فيها الجماهير راغبة في العيش بالأسلوب القديم، وفقدت فيها السلطة قدرتها على الحكم بالأدوات السابقة. كانت تلك الأيام الثلاثة تمريناً ناجحاً للتضافر بين “الشارع” و”التنظيم”.
إن رسالة هذه الانتفاضة للرأي العام العالمي، ولا سيما للمنطقة والدول العربية، واضحة وجلية: التغيير في إيران ليس مجرد احتمال، بل ضرورة قيد التحقق. لقد أثبتت المقاومة الإيرانية، بالاعتماد على شبكتها الداخلية الواسعة واستراتيجية الإسقاط، أنها البديل الديمقراطي والمقتدر الوحيد لعبور هذا المنعطف التاريخي. إن إيران ما بعد هذه الأيام الثلاثة لن تعود أبداً إلى “صمت المقابر” السابق؛ لأن إرادة الحرية قد عبرت دهاليز الخوف ووصلت إلى ساحة المعركة في المدن. هذه ليست سوى بداية النهاية، وقد مُهرت بالختم الأحمر: “الموت للديكتاتور”.
*كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني