رياض سعد
دُعي إلى مؤتمرٍ ما … ؛ يعرف دهاليزه كما يعرف خطوط كفّه ؛ وهو الضَّلِيعُ بمثل هذه الأمور… ؛ فالمكان صديقٌ قديم، والطقوس محفوظة عن ظهر قلب.
وحين همَّ بالصعود إلى الطابق الثاني، عبر سلالم مريحة أنيقة مكسوّة بالمرمر الإيطالي الذي يلتقط أضواء ثريات الكريستال الذهبية ليحيلها إلى شظايا لبنية متلألئة ، كانت قاعة المؤتمر تلوح واضحةً كوضوح الشمس في رائعة النهار؛ تُرى من الطابق الأرضي، بل كان المرء يستطيع رؤية بابها العالي المنفتح على الطابق الأرضي، كفمٍ معتمٍ يبتلع الاضواء … ؛ وكان صوت عريف المؤتمر يصل الى كافة ارجاء الفندق عبر مكبّرات الصوت كأنه نفخة إسرافيل تُوقظ الحجر.
ومع هذا الوضوح كلّه، ومع هذا الصخب الذي لا يترك مجالًا للتيه… ؛ بَرزَتْ فجأةً كشبحٍ من زمن منسيٍّ… ؛ عجوز شمطاء، تجرّ أذيال “التصابي” كرداء مهترئ… ؛ وضعت على محيّاها – ذلك المحيّا الذي تشققه تجاعيد عميقة كأخاديد على لوح طيني قديم، رغم عمليات التجميل وسحب البشرة التي بدت كخريطة مُزورة – كمية هائلة من مكياج مستهلك ونافذ الصلاحية : أحمر شفاه قرمزيّ ينزلق خارج حدود الشفتين الرقيقتين، ووجنتان ورديتان كدمى مَسوَّسة، وعيون مُحاطة بدائرات زرقاء داكنة كهالات سوء… ؛ نعم , قد طمست وجهها بطبقات من مكياجٍ هجين، تحاول أن تُخفي تجاعيدٍ فضحتها عمليات شدّ البشرة قبل أن يفضحها الزمن… ؛ و كانت ملامحها مزيجًا مربكًا من ماضٍ يرفض الرحيل وحاضرٍ يرفض الاعتراف.
وفي قلب هذا الوضوح المطلق، والصخب المنظم، اقتربت منه وسألته سؤالًا أخرق، وهو الضليع بمثل هذه الأمور، الزيرُ سابقًا، العفيفُ لاحقًا: — كيف تصل العجائز إلى القاعة، يا فتى؟
لم تكن تسأل عن الاتجاه، بل كانت تطلق سؤالاً أبله، مقصوداً… ؛ سؤالاً يخفي في طيّاته استنكاراً للزمن، وتحدياً للحالة الطبيعية او الاستقامة ، وتلميحاً لرغبة عتيقة… ؛ سألته وكأنها، بكل هذا المكياج، قد اخترقت جدار الشيخوخة، أو اختزلته في مجرد نظارة يمكن نزعها… ؛ سألته وكأنها ما تزال في ربيعها العشرينيّ، بسذاجة ممزوجة بدهاء خبيث… ؛ سألته لتغريه بما تبقى من أنوثة متهالكة، كي يردّ بالجواب التقليدي للمتملقين أو الخجولين: “كلا، أنتِ لا تزالين في ريعان شبابك، قوية، جميلة…”.
لم تكن تبحث عن اتجاه، بل عن مرآة…
كانت تريد، في قرارة نفسها، ليلة خاطفة في فندق بعيد عن موطنها … ؛ ليلة خيانة تختبر فيها قدرتها المتهاوية على الإغواء، فتستعيد، ولو للحظة، سِجِلَّ خياناتها المتعددة حين كانت الصورة في المرآة تطابق رغبتها، وحين كان الجسد طيّعاً لا يخون بالترهل والتجاعيد… ؛ ليلة تثبت لها أنها ما تزال هناك، داخل جسد الحياة، وليست مجرد شبح يتردد في دهاليز الماضي.
لكنه لم يجامل… , نظر إليها بنظرة طبيب يحضر لتشريح جثة، أو فيلسوف يمعن النظر في خراب مبدأ ما … ؛ لم يكن قاسيًا بقدر ما كان واضحًا، والوضوح أحيانًا أقسى من السكين… ؛ اذ قال بنبرةٍ جادّة وملامح حادّة: — الدرج أمامك… ؛ وعلى الرغم من كبر سنك، تستطيعين الصعود عبره… ؛ لقد صعد من هو أكبر منك سنًّا…!!
كانت الكلمات بسيطة، لكنها سقطت كحقيقةٍ غير قابلة للمساحيق والتجميل … ؛ فَغاصَتْ ملامحُها فجأة في بحر من التجاعيد القاسية، كأن قناع المكياج الهجين انكمش مُفْرِزاً السطح الأصلي البائس تحته… ؛ سكتت سكوتاً ثقيلاً، وكأن على رأسها الطير… ؛ سكوت من هُزمت فيه كل حجج الوهم، وبقيت المرأة العجوز وحدها في مواجهة مرآة لم تكن لتكذب أبداً… ؛ صمتت ؛ لا غضب، بل انكسارٌ لحظةَ سقوط القناع…
أما هو، فولّى هاربًا، لا منها وحدها، بل من صورته القديمة فيها… ؛ شعر بالغثيان، لا اشمئزازًا من جسدٍ هرِم، بل من محاولة الهروب الجماعية التي يمارسها البشر حين يرفضون الاعتراف بأعمارهم، وبحدودهم، وبأن الرغبة إذا لم تُهذَّب تحوّلت إلى استعارةٍ رديئة للحياة… .
وفيما كان يصعد الدرج، أدرك فجأةً أن السلالم ليست طريقًا إلى قاعةٍ فحسب، بل امتحانًا أخلاقيًا صامتًا: من يصعدها يعترف بثقل جسده وخفة روحه، ومن يبحث عن مصعدٍ وهميّ إنما يطلب اختصارًا للحقيقة… ؛ هناك، بين المرمر والصوت العالي، فهم أن الشيخوخة ليست عيبًا، وأن العيب كل العيب أن نعيش غرباء عن أنفسنا، نساوم الزمن ولا نتصالح معه، ونطلب من الآخرين أن يكذبوا نيابةً عنا كي نستمر… .
لقد رأى المجتمع بكامله يتخفى وراء أقنعة، يخون ذاته بحثاً عن تأكيدات واهية… ؛ رأى الزمن، ذلك الطاغية الصامت، يسخر من الجميع: من العجوز التي ترفضه، ومنه هو الذي يحاول، بصعوده إلى مؤتمرات الفكر، أن يهرب من صعود آخر، حتميّ، نحو هُوية مجهولة… ؛ شعر كأن كل درجة يقطعها على السلالم المرمرية هي خطوة أبعد عن براءة الماضي، وأقرب إلى قاعة كبيرة، صاخبة، مليئة بالأصوات المكبرة والأقنعة المتعددة، حيث الجميع مدعوون، وأحدٌ لا يعرف حقاً إن كان المكان مؤتمراً، أو محكمة، أو استراحة أخيرة قبل الصعود إلى طابق لا سلّم له...