ظل الحدث للغز العقاقير المهدئة !؟ هل أرادت واشنطن توجيه رسالة “للأخر” عبر صورة الرئيس الفنزويلي المستسلم لقدره؟

صباح البغدادي
من خلال صياغة مفهوم “ظل الحدث” (1) في سياق التحليل السياسي الذي يوصف بأنه الامتداد غير المباشر للواقعة أو الحدث بعد وقوعها، ولا سيما عندما يتحول مجالها إلى حيث تتداخل التأويلات والتحليلات مع تصورات ومديات اخرى ومن خلال التحليل والاستنباط النتائج والواقع . ارتبطت بدورها معظم الأحداث السياسية عبر التاريخ، وعلى مستوى العالم، بدرجات متفاوتة من الغموض والأسرار والالتباس والشك والريبة ـ ما تزال لغاية الآن تدور في حلقة مفرغة حول حقيقتها وواقعيتها وما ارتبط بها من خفايا والغاز لم تجد لها حلا لغاية الآن ـ  وهي عناصر غالبًا ما يجري توظيفها عمدًا من قبل فاعلين قيادات ورؤساء دول وأجهزة مخابرات وسياسيين وإعلاميين ومن خلال شبكات إعلامية مؤثرة، بهدف إعادة تشكيل الرأي العام وعي العقل الجمعي ودفعه إلى قبول “سرديات” محددة و جاهزة ومغلفة بوصفها حقائق غير قابلة للتشكيك أو التأويل. ومن الناحية الآخر , يُعرّف “ظل الحدث” على أنه الأثر المستمر للواقعة أو نتائجها الممتدة في الزمن، أي بقاء تأثيرها أو حكمها بعد زوال أسبابها المباشرة . فالظل هنا يدل على الأثر والاستمرارية، في حين يشير الحدث إلى الواقعة الجديدة أو التحول الطارئ. وعليه، فإن دراسة “ظل الحدث ” لا تقتصر على توصيف ما جرى، بل تنصب على تحليل ما خلّفه من آثار سياسية أو اجتماعية أو فكرية، وكيفية استمرارها وتأثيرها في الحاضر، وانعكاساتها المحتملة على المستقبل. وبهذا المعنى، يركز على تفكيك الغموض المحيط به، والكشف عن أبعاده الخفية وأسراره، من خلال مقاربة علمية وأكاديمية منهجية، تُمكّن الباحث أو المتابع من فهم نتائجه، وتقييم تأثيراته الواقعية، وصولًا إلى إصدار حكم علمي رصين بشأن تداعياته الراهنة والمستقبلية . ولذا نحن لا نزعم امتلاك الحقيقة، ولا نقدّم رواية نهائية لما جرى، لكن من حقّنا ـ بل من واجبنا ـ أن نسأل , ونسال … ونكرر الأسئلة … وأن نقرأ معه تحليل المشهد كما ظهر أمام أعيننا وتابعنا ببث مباشر عبر شاشات التلفزة الإخبارية العالمية ، وبالتالي والمحصلة النهائية سوف نترك الإجابة لمن يهمّه الأمر . ولكن في هذا المشهد اللافت للمتابع الذي يهتم بدوره لمعرفة ما يجري خلف الصورة والذي أراده الأخر ، أظهار الرئيس “الفنزويلي” أثناء نزوله من الطائرة مكبّل اليدين برفقة زوجته، مبتسمًا، ويبادل الحاضرين ومن حوله أثناء سيره بالممر الطويل لحين ومن باب سلم الطائرة إلى البوابة الرئيسية للمطار وهو يقوم بإلقاء التحية ويقدّم التهاني بمناسبة رأس السنة الميلادية، في صورة بدت لنا متناقضة بصورة غير مفهومة ومع خطورة اللحظة السياسية والمصيرية التي يمر بها. ولكن مثل تلك المسرحيات التي تم عرضها من على شاشات التلفزة كانت بحقيقتها لكي يصدق الرأي العام  أن ما رأيناه كان مشهدًا عفويًا، وكننا بالوقت نفسه لسنا بهذه السذاجة وليس لدينا أي استعداد أو حتى مرغمين ومضطرين لابتلاع الرواية الجاهزة التي تُقدَّم لنا باسم “الإجراءات الحماية” أو “البروتوكول” لان ما جرى أمام عدسات الكاميرا كان عرضًا سياسيًا مقصودًا، ورسالة فظة لا تحاول حتى أن تتخفّى , ولسنا هنا بصدد الدفاع عن شخص أو مسؤول أو رئيس دولة أو حتى نظام حكم ، هذا ليس موضوعنا الآن , بل عن مبدأ. اليوم كان رئيس فنزويلا، وغدًا قد يكون أي رئيس، أي دولة، أي كيان أو حزب أسلامي أو مقاوم يعتقد يومًا أن له هامش قرار مستقل فهو واهم جدآ , لان رسالة الامبراطورية العسكرية الأمريكية لجميع دول العالم وبالأخص الحلفاء قبل الخصوم ـ ما عدا الابن غير الشرعي إسرائيل ـ واضحة المعالم وقاسية : من يخرج عن العصا الأمريكية اليوم ، سوف يُسحَق علنًا، لا سرًّا كما في السابق. فلم تعد أمريكا تكتفي بإسقاط الخصوم، بل تريدهم مكسورين أمام الكاميرا، مبتسمين، صامتين، بلا احتجاج، ولا صراخ ولا هتافات ثورية , ليكونوا عبرة لغيرهم. هذا ليس تطبيق قانون، بل استعراض قوة، واستثمار في الفزع والخوف وقوة الصدمة .

وفي العودة بلغة الجسد، بحسب ما راقبناه بتمعن من على شاشات التلفزة عكست لنا عن حالة من الاستسلام الهادئ أو القبول بالأمر الواقع، إذ لم تبدُ على الرئيس الفنزويلي أي مؤشرات توتر أو حتى إدراك واستيعاب كامل لثقل المشهد وما يحمله من دلالات. وكأن ما يحدث نزهة دبلوماسية لا لحظة كسر سيادي لرئيس دولة لان هذا الهدوء غير المألوف سوف يفتح الباب على مصراعيه ليس أمامنا فقط ولكن قد يكون أمام الكثير من المحليين والسياسيين والمختصين خلال الساعات القادمة ولنكون أمام كثير من التساؤلات حول ما إذا كان المشهد قد صُمِّم بعناية ليؤدي وظيفة سياسية تتجاوز كونه إجراءً أمنيًا أو بروتوكوليًا. ونحن نرى بعين المتابع عن كثب لمثل هذه الأحداث ومواكبتها تطوراتها لحظة بلحظة بأن الإدارة الأمريكية، وتحديدًا في عهد الرئيس “ترامب”، اعتمدت مرارًا على الرمزية البصرية كأداة ضغط ورسالة ردع. فإظهار رئيس دولة في هذا الوضع، وبهذا السلوك الهادئ شبه المنفصل عن الواقع الذي يدور حوله ، قد يحمل رسالة مباشرة وغير مباشرة في آن واحد: الصورة هنا ـ بحسب القراءة الاستباقية ـ قد تكون أهم من الحدث نفسه، إذ تُخاطب حلفاء وخصوم الولايات المتحدة على حد سواء، وتؤكد أن القوة لا تُمارس فقط عبر العقوبات أو التصريحات الفارغة من المحتوى ، بل عبر الإخراج الإعلامي المدروس ومن خلال استوديوهات ” السي أي أي ” و “الأف بي أي”  فهل كان ما رأيناه تعبيرًا حقيقيًا عن حالة نفسية للرئيس الفنزويلي، أم نتيجة ترتيبات أرادت أن تقول الكثير من دون أن تنطق بكلمة واحدة؟ أي عبث هذا ؟ وأي إخراج ؟ وأي رسالة يُراد لنا أن نفهمها؟ ومن كان يظن أن هذه الصورة بريئة، إما واهم أو يستخف بعقول الناس. صحيح أن في عهد الرئيس “ترامب”، لم تكن القوة الأمريكية تُمارَس في الغرف المغلقة فقط، بل على الشاشات، أمام العالم، وبأقصى درجات الإهانة الرمزية. هذه ليست عدالة، هذه سياسة إذلال متعمدة. هذا الهدوء المصطنع والذي نراه غير مبرر ، الابتسامة غير المفهومة، الوجه الضاحك وغير العابس والعصبي ومع غياب أي رد فعل إنساني طبيعي وكأن الرجل منفصل عمّا يجري حوله، أو مستسلم تمامًا لقدره. لماذا هذا الإخراج المسرحي؟ وهل كان إخراج مثل هذا الفيلم السينمائي من قبل استوديوهات ” السي آي أي ” و “الأف بي آي ” لكي يظهر لنا ولشعبه والعالم  الرئيس الفنزويلي وزوجته أن يظهر كرجل بلا إرادة؟ هل أُريد للصورة أن تقول : “انظروا … هكذا ننهي من يعاندنا ” ؟ ولأن مهما أراد الأخر أن يظهر للرأي العام بان الحبكة الدرامية التي ظهرت في الفلم كانت حقيقية أكثر من اللازم ومبالغ فيها وغير منطقية ولا توحي بشخص كان قبل ساعات من اعتقاله يصرخ بأعلى صوته وسط حشود من الجماهير المؤيدة لها بالمقاومة الغزو الأمريكي وبعدها نراه مستسلم لقدره بهذه الصورة ؟ولماذا أُريد للمشهد أن يبدو وكأن الضحية راضٍ بما يحدث له تماما من غير استعمال أي من مظاهر العنف والرفض على الأفل وتكبيل يديه ليبدو كالمجرم وليس رئيس دولة شرعي معترف به حسب القوانين الدولية ؟ . ولكن التاريخ علمنا بان الأسئلة تكون أحيانا اخطر من الإجابات عليها , وتعلمنا في فن خفايا السياسة الدولية ، بأن الصورة يمكن أن تكون أقوى من الجيوش والسلاح . وما رأيناه لم يكن مجرد صورة عابرة ، بل إنذارًا مفتوحًا لكل من لا يزال يعتقد أن السيادة الوطنية  أصبحت في عصر الرئيس ” ترامب” تحمي أصحابها وان ظل الحاكم هو المركز الوحيد للشرعية الوطنية ، ولكن في ظل غياب أي مؤسسات ديمقراطية قوية وتمثيل حقيقي أو نظم حكم قائم بحد ذاته على التداول السلمي للسلطة سوف يؤدي بالنتيجة إلى شلل سياسي مزمن لا يستطيع أي رئيس دولة مواجهته .

رجاءً انتبهوا قبل فوات الأوان …  هل تابعتم بدقة كيف كان يسير في الممر بصحبة مرافقيه؟ خطوات واثقة، جسد مستقيم، ملامح هادئة، وكأنه متجه إلى اجتماع رئاسي مغلق أو استقبال رسمي، لا كأنه شخص مقبوض عليه، ومُقدَّم للرأي العام بوصفه متهمًا بقضايا ثقيلة كالإرهاب وتهريب السلاح والمخدرات وأي مفارقة هذه؟ وأي استخفاف بعقول الناس يُراد تمريره بهذه السذاجة؟.

إن حدث اعتقال رئيس فنزويلا وزوجته من غرفة نومه بهذه الصورة لم تكن لتحدث لولا وجود الخيانة من أقرب المحيطين به والذي كان يعتبرهم موضع ثقته , وحتى القوات الخاصة الكوبية التي أرسلت له شخصيا لغرض الحماية والتي تم أبادتها بدم بارد حسب تصريح وزير الدفاع الفنزويلي لم تحدث بهذه الصورة المهينة ومهما كانت عليه من القوة العسكرية والتكنولوجية مرافقة “قوات الدلتا” والتي تم الترويج لهذا الحدث بأنها قوة ضاربة خاصة لا تقهر , وذلك قد يكون عن طريق إعطائهم أدوية مخدرة تخرجهم عن الوعي وفي حالة خمول وشلل لا يدركون ما يجري حولهم سواء عن طريق الطعام أو نشر الغازات أثناء عملية الاقتحام ولكن ما حدث للرئيس الفنزويلي وزوجته وهم ما يزلون على السرير وفي غرف نومهم ليتم إلقاء القبض عليهم من دون اي مقاومة تذكر , وبعدها تم أعطاءهم حقن وعقاقير طبية مهدئة يستعمل للمرضى النفسيين وإخراجهم عن الواقع الحقيقي الذين هم فيه , ولأن التاريخ لا يُنسى بهذه السرعة ولدينا تجربة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين ما زالت حاضرة في الأذهان : محاكمة علنية ، بث مباشر، رجل يهتف بما يؤمن به، صاخب، رافض، متحدٍ. يومها أدركت واشنطن ـ ربما متأخرة ـ بأن الغضب والصرخة قد يحوّلان الخصم إلى رمز مقاوم ، وأن المواجهة العلنية غير المضبوطة قد تخدم الرواية المضادة بدل أن تكسرها وتشوه سمعتها أمام الرأي العام والعقل الجمعي والذي يراد منه تقبل جميع السيناريوهات التي تخرجها لنا إدارة البيت الأبيض ومن خلال مطابخها المخابراتية والاستخبارية .
وبالتالي نحن لسنا أمام حادثة منفصلة، ولا أمام مشهد يمكن فصله عن تاريخ طويل من الإخراج السياسي الأمريكي. من يراقب الصورة، ويدقق في التوقيت، ويفهم لغة القوة، يدرك أن واشنطن لا تعتقل خصومها فقط، بل تعيد تشكيلهم أمام العالم. وهنا يبرز السؤال الأخطر، الذي لا نطرحه فقط لمجرد التشكيك بالصورة وفي انتظار الإجابة عليها : فهل يمكن أن تتحول الأدوات والأدوية والعقاقير الطبية، النفسية منها تحديدًا، إلى جزء مهم وحيوي من إدارة الصورة السياسية ؟ وهل يمكن أن يُعاد تقديم الخصم للعالم لا كمتمرّد غاضب وثائر ومقاوم ، بل كإنسان هادئ، مستسلم، “متعافٍ” وبخطوات محسوبة، وهدوء مصطنع، وصورة نظيفة أكثر مما ينبغي ليُقال للجميع : انظروا… هذا مصير من يعارضنا؟ فلسنا أطباء، ولسنا قضاة، ولا نملك أدلة . لكننا كراي عام  و متابعين ومهتمين ومراقبون لمثل تلك الأحداث ، نعرف أن خفايا الدهاليز السياسة لا تتورع عن استخدام أي أداة حين يتعلق الأمر بالهيمنة المطلقة . والصورة التي تُقدَّم اليوم لنا ليست عبثية، بل مدروسة، نظيفة، بلا فوضى أو تشويش … وهذا بالضبط ما يجعلها خطيرة على الرأي العام والعقل الجمعي إذا صدق بها وتبناه من دون أن يكون له أي رأي أو تساؤل وكاننا قطيع يساق بنا والى الوجهة التي يريد لنا الراعي ان نكون لنا . وهذه ليست رواية أو حكايات ، بل إنذار مبكر. ومن لا يقرأ أبعاد الصور جيدا ، سيجد نفسه يومًا داخلها، ولا شيء يُترك للصدفة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر برئيس دولة. والصورة التي سُمح للعالم أن يراها ليست بريئة ، بل محمّلة بدلالات القوة، والهيمنة ، وكسر الإرادة.

نحن لسنا جمهورًا طفوليًا يُخدَع بالصورة المصقولة والحركة المدروسة. لسنا بحاجة إلى قراءة تعابير وجه بقدر حاجتنا إلى فهم السياق، والتوقيت، والإخراج، وما يُراد للصورة أن تقوله من دون أن تنطق. المشهد كله بدا مرتبًا أكثر من اللازم، نظيفًا أكثر من اللازم، هادئًا على نحو يثير الريبة لا الطمأنينة. ولذا على القائمين على هذا الإخراج—إن جاز تسميته كذلك—أن يدركوا أن زمن المتلقي الساذج قد انتهى. هناك من لا يقرأ الوجوه، بل يقرأ ما بين السطور، وما خلف الكاميرات، وما يُخفى عمدًا تحت طبقات الرواية الرسمية، حتى وإن ظنّ صانعو المشهد أنهم دفنوه تحت سابع أرض.وأن الهدوء المبالغ فيه، في لحظات يفترض أن تكون عاصفة، ليس دلالة قوة… بل علامة سؤال كبرى.

نحن نطرح الأسئلة فقط، ومن حق الجميع أن يطرحها.
أما الإجابات… فهي مسؤولية من صنع المشهد، ومن قرأه، ومن اختار الصمت حياله.

(1) “ظل الحدث” برنامج سياسي أسبوعي يهتم بالشأن العراقي كنا نعده ونقدمه قبل عقدين من الزمن ومن خلال إذاعة “صوت الشباب” في المهجر .