الدين بين العقل والنقل وجهًا لوجه وكفى تقديسًا للبشر!!

الدين بين العقل والنقل وجهًا لوجه وكفى تقديسًا للبشر!!

بقلم يحيى هركي ـ كاتب وصحفي ـ ألمانيا
المقدمة:
في زمن تتصارع فيه الأفكار وتُقاس القيم بالشهرة والمال، صار العقل مُهددًا بالعاطفة والدين أحيانًا أداة للسيطرة على العقول بدل تنويرها صار التفكير يُنظر إليه كخطيئة والنقاش خروج عن الإيمان، لكن الإنسان الذي يحلم بحرية التفكير لا يمكن أن يرضى بالسكوت هذا المقال يفتح نافذة على العلاقة بين الدين والعقل ليكشف الفرق بين الإيمان الحق الذي يحرر والاتباع الأعمى الذي يقيد.

هذه المقالة لا تستهدف دينًا ولا تُخاصم عقيدة بل تحاول الفصل بين الدين بوصفه وحيًا إلهيًا والتدين بوصفه فهمًا بشريًا يتأثر بالزمان والمصلحة والسلطة بين الوحي والرأي أحد أخطر الإشكالات في واقعنا المعاصر هو تحويل آراء رجال الدين إلى مسلّمات مقدسة مع أن كلامهم اجتهاد بشري لا أكثر رجال الدين لم ينزل عليهم وحي ولم يُفوَّضوا بالكلام باسم الله الوحي نزل على الرسل فقط وتجلّى في كتب سماوية واضحة ومعروفة التوراة والإنجيل والقرآن والفرقان أو المصحف الأسود والقرآن نفسه لا يدعو إلى تعطيل العقل بل إلى تشغيله أفلا يعقلون أفلا يتفكرون أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها.

حتى النبي محمد صلى الله عليه وسلم لم يمنح نفسه سلطة مطلقة بل أعلن أنه تابع للوحي لا مشرّع من عنده واشتكى إلى ربه أن قومه اتخذوا القرآن مهجورًا ولم يقل هجروا أقواله فرسالته كانت البلاغ فقط.

ومن باب المقارنة الفكرية لا الإدانة يمكن ملاحظة اختلاف لافت في نماذج التدين عندما توفي بابا الفاتيكان الأخير لم يُعرف عنه امتلاك ثروة ولا اموال اوعندما توفي كبار رجال الدين في الديانة الإيزيدية لم يترك شيء بل عاشوا وماتوا في فقر مادي لكنهم كانوا أغنياء بالقيم وكذلك رجال الدين من البوذيين والسيخ حيث يعيشون ببساطة شديدة زهدًا في الدنيا لا عجزًا عنها فلا يتركون مالًا ولا إرثًا بل أثرًا أخلاقيًا وروحيًا.

في المقابل شهد العالم الإسلامي نماذج لرجال دين جمعوا بين الفتوى والسلطة والمال وصدرت عن بعضهم فتاوى مثيرة للجدل أُريق بسببها دم كثير من الشباب ثم رحلوا عن الدنيا وقد تركوا ثروات طائلة القضية هنا ليست أشخاصًا بل نموذج تدين يفرض سؤالًا مشروعًا هل هذا هو الزهد الذي دعت إليه الرسالات أم أن الخلل في الفهم البشري لا في الدين نفسه.

مشكلتنا ليست الدين بل تقديس الفهم البشري له فالعقل محاصر والتفكير الديني حبيس الروايات والفقه منفصل عن مقاصد القيم والمرجعية مغلقة على ذاتها الإيمان اليوم يُقاس بالانتماء لا بالسلوك بينما القرآن يختصر الطريق: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

لا وسطاء ولا صكوك نجاة اشغل نفسك بإصلاح ذاتك لأن يوم الحساب لن ينفعك شيخ ولا فقيه ولا نسب ولا مال لن ينفعك إلا إيمانك وعملك فالكثيرون خدعوا الناس بوعود الشفاعة الجاهزة وخطاب عاطفي يتقول على الله بينما القرآن يقول: قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين فالرسول لا يعلم الغيب ولا يملك نفعًا ولا ضرًا ولا يشرّع من عنده مهمته البلاغ فقط.

الخلاصة:
الرسالة واضحة لكل من يقرأ: استعد لعقلك قبل أن تُرضى بالاتباع الأعمى استعيد حرية التفكير واكتشف أن الدين وحي إلهي والتدين تجربة بشرية الفرق بينهما هو الفرق بين النور وظلّه الدين الذي يزرع الرحمة ويشبع الجائع ويكرم الإنسان هو دين الحق أما التدين الذي يُنتج الكراهية والعنف فهو فهم مشوّه لا علاقة له بالله فلتكن عيوننا مفتوحة وعقولنا ساطعة ولنترك العقل يقود الإيمان!